وفي التفسير الواضح:
"روى أن ابن أم مكتوم ، ابن خال خديجة بنت خويلد - وكان أعمى - جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله قراءة القرآن ، وتعليمه مما علمه اللّه ، وكان عند النبي رهط من زعماء قريش كعتبة بن ربيعة ، وأخيه شيبة ، وأبى جهل بن هشام وأمية بن خلف وغيرهم ، والنبي مشغول بدعوتهم إلى الإسلام وبتذكيرهم باللّه وباليوم الآخر ، وكان - صلى الله عليه وسلم - شديد الحرص على إيمان هؤلاء ثقة منه بأن إسلامهم سيجر غيرهم من أتباعهم."
فلما جاء ابن أم مكتوم وناداه قائلا: يا رسول اللّه: أقرئنى القرآن ، وعلمني مما علمك اللّه ، وهو مشغول بمحادثة زعماء الشرك كره ذلك منه النبي وعبس في وجهه وقطب ، وأعرض عنه
فنزلت هذه الآيات تعاتب النبي عتابا رقيقا على تركه الفقير الأعمى الذي جاء يسأل ويزداد علما ونورا ، وعلى توجهه إلى الأغنياء الأقوياء ، وفي هذا كسر لقلوب الفقراء ، فلدفع هذا عوتب الرسول على عبوسه في وجه الفقير الأعمى.
أليس في هذا العتاب الصريح دليل للمنصف على أن هذا الرسول صادق في كل ما يبلغه عن ربه ، وأن هذا القرآن من عند اللّه لا من عنده ؟
عبس النبي وأعرض بوجهه لأن جاءه الأعمى ، وهو ابن أم مكتوم ، جاءه وهو مشغول بمحادثة زعماء الشرك ، فعاتبه اللّه على ذلك قائلا: وما يدريك لعله يتطهر بما يسمعه منك ويتلقاه عنك من الوحى ، نعم أى شيء يعلمك بحال هذا السائل لعله يتطهر أو يتعظ فتنفعه موعظتك ؟
التفت اللّه إلى رسوله الكريم معاتبا لائما قائلا ما معناه: إن ما صدر منك كان على هذا التفصيل: فالذي استغنى عن الإيمان باللّه وعن طاعته وطاعة رسوله ، واستغنى بماله وجاهه عن قبول الحق وعن استماع النصيحة فأنت تتعرض له ، وتشغل نفسك بوعظه ، وأما من جاءك طالبا الهداية خائفا من اللّه ، فأنت عنه تتلهى وتشتغل عنه بسواه ، وهذا عتاب للنبي وإنكار لهذا العمل ، مع أن الرسول ليس عليه إلا البلاغ ، فمن ركب رأسه ، واغتر بدنياه ، وأغفل آخرته ، وظن أنه غنى عن هداية اللّه فليس على الرسول عيب ولا لوم في بقائه على حالته.