الصفحة 185 من 1282

وهنا ينتقل النبي ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ من حال الغيبة إلى حال الحضور ، فبعد أن كان ينظر إلى ذاته من داخل ، وكأنه مع ذات غير ذاته ، إذا هو يرى ذاته ماثلة بين يديه ، وكأنه هو الذي يحاسبها ويراجعها ، وكأنه هو الذي يخاطب نفسه ، ويقول لذاته: « وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى » ! وتبدو الصورة هكذا: الذي عبس وتولى غائب ، ليس هنا في مجلس النبىّ .. إنه هناك .. بعيد بعيد.!

ثم إن هذا الغائب ، إذ يبسم بعد عبوس ، وإذ يقبل بعد إعراض ، وإذ يكون على الحال التي تتناسب ومقام الخطاب من ربه .. هنا يقبل عليه ربه ـ سبحانه وتعالى ـ مخاطبا معلّما ، ومرشدا ..

فتوجيه الخطاب من اللّه سبحانه ، إلى النبي أولا ، بضمير الغائب ، فيه عتب ، وفيه إعراض ، وخطابه سبحانه إلى النبىّ ثانيا ، بضمير الحاضر ، فيه الرضا بعد العتب ، والإقبال بعد الإعراض ..

وفى قوله تعالى: « وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى » ـ إشارة إلى ما كان يبغى هذا الأعمى من حضوره مجلس النبي ، والإلحاح بسؤاله .. إنه يسأل سؤال من يريد مزيدا من العلم ، ومزيدا من الهدى.

والاستفهام هنا يراد به النفي ، أي ومن أين لك أنت أن تعلم أن هذا الأعمى لا ينتفع بما يسألك عنه ، حتى تعرض عنه ؟ أنت لا تعلم ، وقد كان ينبغى في تلك الحال أن تجيبه إلى ما سأل ، لعله ينتفع بما يتعلمه ، ولعله يتزكى ، أي يتطهر بما يفاض عليه من علم ، أو لعله يتلقى من حديثك إليه ما يقيم له عظة تنفعه ، وتزيد في إيمانه ..

قوله تعالى: « أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ، وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى » .

هنا تفصيل لمجمل هذا الحدث ، الذي جاء من أجله هذا العتاب .. أي كان موقفك هنا أيها النبي معدولا به عن الطريق الذي ينبغى أن يكون عليه ..

وإليك بيان هذا الموقف:أما من استغنى عنك ، وزهد فيما في يديك من علم وهدى ، « فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى » أي تتعرض له ، وتمسك به ، وتشده إليك! وإنك لتعلم أنه ما عليك إلا البلاغ ، وأنه ليس من همك أن تحمل الناس حملا على الإيمان ، فإنه لا عليك من لوم ، إذا لم يؤمن ، ولم يتطهر بالإيمان ، من إذا دعوته ، وبلغته رسالة ربك ـ فلم يستجب إليك .. هذه حال دعاك الحرص فيها على هداية الناس ، إلى أن جاوزت حدود الخط المرسوم لدعوتك ..

هذا من جهة .. ومن جهة أخرى ، فإنك وقفت موقفا مخالفا لموقفك الأول ، فبينما أنت تقبل على من أعرض عنك ، وزهد فيما معك ، إذا أنت تعرض عمن أقبل عليك ، ورغب فيما بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت