الصفحة 186 من 1282

يديك من نور اللّه!! « أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى . فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى. وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى. وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى . وَهُوَ يَخْشى . فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى » .

أليس ذلك كذلك ؟ ألم يكن هذا موقفك ؟

وكلّا .. إن الأمر ليس على هذا الوجه .. كما سنبين لك.

وفى قوله تعالى: « جاءك يسعى » إشارة إلى الرغبة المنبعثة من صدر هذا الأعمى ، والتي تدفعه دفعا إلى أن يحثّ الخطا ، وأن يسعى إلى النبي في انطلاق وشوق ، مع أنه قى قيد العمى والعجز.

وقوله تعالى: « وهو يخشى » حال أخرى ، من فاعل: « جاءك » أي تلك حال هذا الأعمى ، إنه جاءك ساعيا إليك ، خاشيا للّه ..

وقوله تعالى: « فأنت عنه تلهى » .. إشارة إلى أن ما كان فيه النبي ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ من حديث مع هؤلاء المشركين المعاندين من قومه ، وأنه حديث لا محصّل له ، ولا ثمرة من ورائه ، إذ كان القوم معرضين عنه ، متكرهين له .. فكأنه إنما يتلهى بهذا الحديث ، الذي لا يجىء بثمر .. وإن كان ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ جادّا في هذا الحديث كل الجد ، مقبلا عليه كل الإقبال ، ولكنه إنما يضرب في حديد بارد ، أشبه بمن يريد أن بستنبت الزرع في الصخر الصلد .. فمن رآه على تلك الحال لم يقع في نفسه إلا أنه يتلهى بما يعمل .. [1]

تنبيهات:

الأول: قال السيوطي في"الإكليل": في هذه الآيات حث على الترحيب بالفقراء والإقبال عليهم في مجلس العلم وقضاء حوائجهم ، وعدم إيثار الأغنياء عليهم . وقال الزمخشري: لقد تأدب الناس بأدب الله في هذا تأدبًا حسنًا . فقد روي عن سفيان الثوريّ رحمه الله أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراءَ .

الثاني: في هذه الآيات ونحوها دليل على عدم ضنِّه - صلى الله عليه وسلم - بالغيب . قال ابن زيد: كان يقال: لو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتم من الوحي شيئًا ، كتم هذا عن نفسه .

الثالث: قال الرازي: القائلون بصدور الذنب عن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا بهذه الآية ، وقالوا: لمّا عاتبه الله في ذلك الفعل دل على أن ذلك الفعل كان معصية . وهذا بعيد فإنا قد بينا أن ذلك كان هو الواجب المتعين ، إلا بحسب هذا الاعتبار الواحد ، وهو أنه يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء . وذلك غير لائق بصلابة الرسول عليه السلام ، وإذا كان كذلك ، كان ذلك جاريًا مجرى ترك الاحتياط وترك الأفضل ؛ فلم يكن ذلك ذنبًا البتة .

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1447)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت