فهرس الكتاب
مكان فيها لغير هذه الاعتبارات ، إلى حد أن يقال فيها عن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم: { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم! } وهذا نسبه فيهم ، لمجرد أنه هو شخصيًا لم تكن له رياسة فيهم قبل الرسالة!
ثم إنه لا يكون مثل هذا الأمر في مثل هذه البيئة إلا من وحي السماء . فما يمكن أن ينبثق هذا من الأرض . . ومن هذه الأرض بذاتها في ذلك الزمان!!
وهي قوة السماء التي دفعت مثل هذا الأمر في طريقه؛ فإذا هو ينفذ من خلال نفس النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى البيئة من حوله؛ فيتقرر فيها بعمق وقوة واندفاع ،يطرد به أزمانًا طويلة في حياة الأمة المسلمة.
لقد كان ميلادًا جديدًا للبشرية كميلاد الإنسان في طبيعته . وأعظم منه خطرًا في قيمته . . أن ينطلق الإنسان حقيقة شعورًا وواقعًا من كل القيم المتعارف عليها في الأرض ، إلى قيم أخرى تتنزل له من السماء منفصلة منعزلة عن كل ما في الأرض من قيم وموازين وتصورات واعتبارات وملابسات عملية ، وارتباطات واقعية ذات ضغط وثقل ، ووشائج متلبسة باللحم والدم والأعصاب والمشاعر . ثم أن تصبح القيم الجديدة مفهومة من الجميع ، مسلمًا بها من الجميع . وأن يستحيل الأمر العظيم الذي احتاجت نفس محمد - صلى الله عليه وسلم - كي تبلغه إلى التنبيه والتوجيه ، أن يستحيل هذا الأمر العظيم بديهية الضمير المسلم ، وشريعة المجتمع المسلم ، وحقيقة الحياة الأولى في المجتمع الإسلامي لآماد طويلة في حياة المسلمين .
إننا لا نكاد ندرك حقيقة ذلك الميلاد الجديد . لأننا لا نتمثل في ضمائرنا حقيقة هذا الانطلاق من كل ما تنشئه أوضاع الأرض وارتباطاتها من قيم وموازين واعتبارات ساحقة الثقل إلى الحد الذي يخيل لبعض أصحاب المذاهب « التقدمية! » أن جانبًا واحدًا منها هو الأوضاع الاقتصادية هو الذي يقرر مصائر الناس وعقائدهم وفنونهم وآدابهم وقوانينهم وعرفهم وتصورهم للحياة! كما يقول أصحاب مذهب التفسير المادي للتاريخ في ضيق أفق ، وفي جهالة طاغية بحقائق النفس وحقائق الحياة!
إنها المعجزة . معجزة الميلاد الجديد للإنسان على يد الإسلام في ذلك الزمان . .
ومنذ ذلك الميلاد سادت القيم التي صاحبت ذلك الحادث الكوني العظيم . . ولكن المسألة لم تكن هينة ولا يسيرة في البيئة العربية ، ولا في المسلمين أنفسهم . . غير أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد استطاع بإرادة الله ، وبتصرفاته هو وتوجيهاته المنبعثة من حرارة انفعاله بالتوجيه القرآني الثابت أن يزرع هذه الحقيقة في الضمائر وفي الحياة؛ وأن يحرسها ويرعاها ، حتى تتأصل جذورها وتمتد فروعها ، وتظلل حياة الجماعة المسلمة قرونًا طويلة . . على الرغم من جميع عوامل الانتكاس الأخرى . .