فهرس الكتاب
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هذا الحادث يهش لابن أم مكتوم ويرعاه؛ ويقول له كلما لقيه: « أهلًا بمن عاتبني فيه ربي » وقد استخلفه مرتين بعد الهجرة على المدينة . .
ولكي يحطم موازين البيئة وقيمها المنبثقة من اعتبار الأرض ومواضعاتها ، زوج بنت خالته زينب بنت جحش الأسدية ، لمولاه زيد بن حارثة . ومسألة الزواج والمصاهرة مسألة حساسة شديدة الحساسية . وفي البيئة العربية بصفة خاصة .
وقبل ذلك حينما آخى بين المسلمين في أول الهجرة ، جعل عمه حمزة ومولاه زيدًا أخوين . وجعل خالد ابن رويحة الخثعمي وبلال بن رباح أخوين!
وبعث زيدًا أميرًا في غزوة مؤته ، وجعله الأمير الأول ، يليه جعفر بن أبي طالب ، ثم عبد الله بن رواحه الأنصاري ، على ثلاثة آلاف من المهاجرين والأنصار ، فيهم خالد بن الوليد .
وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه يشيعهم . . وهي الغزوة التي استشهد فيها الثلاثة رضي الله عنهم .
وكان آخر عمل من أعماله - صلى الله عليه وسلم - أن أمَّر أسامة بن زيد على جيش لغزو الروم ، يضم كثرة من المهاجرين والأنصار ، فيهم أبو بكر وعمر وزيراه ، وصاحباه ، والخليفتان بعده بإجمال المسلمين . وفيهم سعد بن أبي وقاص قريبه - صلى الله عليه وسلم - ومن أسبق قريش إلى الإسلام .
وقد تململ بعض الناس من إمارة أسامة وهو حدث . وفي ذلك روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ بَعَثَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - بَعْثًا ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِى إِمَارَتِهِ ، فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « إِنْ تَطْعُنُوا فِى إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِى إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ ، وَايْمُ اللَّهِ ، إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلإِمَارَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَىَّ ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَىَّ بَعْدَهُ » [1] ..
ولما لغطت ألسنة بشأن سلمان الفارسي ، وتحدثوا عن الفارسية والعربية ، بحكم إيحاءات القومية الضيقة ، ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضربته الحاسمة في هذا الأمر، فعَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطَّ الْخَنْدَقَ عَامَ حَرْبِ الأَحْزَابِ حَتَّى بَلَغَ الْمَذَاحِجَ ، فَقَطَعَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا فَاحْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ سَلْمَانُ مِنَّا ، وَقَالَتِ الأَنْصَارُ: سَلْمَانُ مِنَّا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ" [2] فتجاوز به بقيم السماء وميزانها كل أفاق النسب الذي يستعزون به ، وكل حدود القومية الضيقة التي يتحمسون لها . . وجعلة من أهل البيت رأسًا!"
َعنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: عَيَّرَ أَبُو ذَرٍّ بِلَالًا بِأُمِّهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ، وَإِنَّ بِلَالًا أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ فَغَضِبَ، فَجَاءَ أَبُو ذَرٍّ وَلَمْ يَشْعُرْ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (3730 )
(2) - المستدرك للحاكم (6541) حسن لغيره