نجد الجواب على هذا في قوله تعالى ، في سورة المعارج ، إذ يقول سبحانه: « يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ كَلَّا إِنَّها لَظى » . (11 ـ 15)
إن الحركة الشعورية للإنسان هنا تأخذ اتجاها عكس الاتجاه الأول ، الذي أخذته في موقف الفرار ..
ففى موقف الفرار ، هناك شىء من السعة ، يتيح للإنسان أن يتحرك فيه ، نحو الجهة التي يتوهم أن له سبيلا إليها ، وإن لم يكن ثمّة سبيل ..
أما في موقفه وقد أحاط به البلاء ، واشتملت عليه النار ، فإنه ليس ثمة إلا أن يمد يده إلى أقرب شىء يمكن أن يصل إليه ، ليقيم منه ستارا على جسده الذي تأكله النار ، وقد يكون هذا الشيء بعض أعضاء جسده هو ، كيده ، التي يدفع بها النار عن وجهه مثلا!! وأقرب شىء إلى الإنسان بعد أعضائه ، هم بنوه ، ثم صاحبته (زوجه) ثم .. ثم أسرته من أعمام ، وأبناء أعمام .. ثم أهل الأرض جميعا .. كل هؤلاء يتخذ منهم دروعا واقية له ، يرمى بهم في وجه البلاء واحدا بعد واحد ، ولكن هيهات أن يجد من أىّ وقاية من هذا البلاء ..
إنه مجرد أمل يراوده لو أمكنته الفرصة من تحقيقه ، ولكن ليس إلى ذلك من سبيل ..!
فهذا وجه من وجوه الإعجاز القرآنى ، الذي يستولى ببيانه على حقائق الأشياء ، وينفذ إلى أعماقها وخفاياها ، فإذا هى في وجه صبح مشرق مبين!! ..
قوله تعالى: « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ » ..هو جواب « إذا » في قوله تعالى: « فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ » أي فإذا جاءت القيامة ، فأمر الناس مختلف ، فهم فريقان:
ـ « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ » أي مشرقة بالبهجة والمسرة ، تضحك استبشارا بما لاح لها من دلائل الفوز ، وما هبّ عليها من أنسام الرضوان والجنان ..
« وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ » أي عليها غبرة الكمد والحسد ، وسواد الكآبة والمذلة .. « تَرْهَقُها قَتَرَةٌ » .. أي يعلوها الشحوب ، ويعتصر ماءها الرّهق والتعب .. « أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ » أي أن أصحاب هذه الوجوه المغبرة الكالحة الشاحبة ، هم الكفرة الفجرة ، أي الذين جمعوا بين الكفر باللّه ، وبين المبالغة في الضلال ، والفجور .. فالكفر ظلمات بعضها أشد ظلاما من بعض ، والكفار أصناف ، بعضهم أشد إيغالا في الكفر والضلال من بعض ، وشتان بين كفر أبى لهب ، وأبى جهل ، وبين كفر غيرهم من حواشى القوم.