والحديث عن الوجوه عوضا عن أصحابها ـ هو ـ كما قلنا في غير موضع ـ لما في الوجوه من قدرة على التعبير عما في النفوس من مشاعر وعواطف .. حيث ينطبع عليها كلّ ما يقع على الإنسان مما يسوء أو يسرّ .. [1]
فهذه هي خاتمة المتاع . وهذه هي التي تتفق مع التقدير الطويل ، والتدبير الشامل ، لكل خطوة وكل مرحلة في نشأة الإنسان . وفي هذا المشهد ختام يتناسق مع المطلع . مع الذي جاء يسعى وهو يخشى . والذي استغنى واعرض عن الهدى . ثم هذان هما في ميزان الله .
« والصاخة لفظ ذو جرس عنيف نافذ ، يكاد يخرق صماخ الأذن ، وهو يشق الهواء شقًا ، حتى يصل إلى الأذن صاخًا ملحًا! » « وهو يمهد بهذا الجرس العنيف للمشهد الذي يليه: مشهد المرء يفر وينسلخ من ألصق الناس به: { يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه } . . أولئك الذين تربطهم به وشائج وروابط لا تنفصم؛ ولكن هذه الصاخة تمزق هذه الروابط تمزيقًا ، وتقطع تلك الوشائج تقطيعًا .« والهول في هذا المشهد هول نفسي بحت ، يفزع النفس ويفصلها عن محيطها . ويستبد بها استبدادًا . فلكل نفسه وشأنه ، ولديه الكفاية من الهم الخاص به ، الذي لا يدع له فضلة من وعي أو جهد: { لكل امرئ منهم يومئذ شان يغنيه } . .
» والظلال الكامنة وراء هذه العبارة وفي طياتها ظلال عميقة سحيقة . فما يوجد أخصر ولا أشمل من هذا التعبير ، لتصوير الهم الذي يشغل الحس والضمير: { لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه } !
ذلك حال الخلق جميعًا في هول ذلك اليوم . . إذا جاءت الصاخة . . ثم يأخذ في تصوير حال المؤمنين وحال الكافرين ، بعد تقويمهم ووزنهم بميزان الله هناك: { وجوه يومئذ مسفرة . ضاحكة مستبشرة } . . فهذه وجوه مستنيرة منيرة متهللة ضاحكة مستبشرة ، راجية في ربها ، مطمئنة بما تستشعره من رضاه عنها . فهي تنجو من هول الصاخة المذهل لتتهلل وتستنير وتضحك وتستبشر . أو هي قد عرفت مصيرها ، وتبين لها مكانها ، فتهللت واستبشرت بعد الهول المذهل . . { ووجوه يومئذ عليها غبرة . ترهقها قترة . أولئك هم الكفرة الفجرة } . .فأما هذه فتعلوها غبرة الحزن والحسرة ، ويغشاها سواد الذل والانقباض . وقد عرفت ما قدمت ، فاستيقنت ما ينتظرها من جزاء . . { أولئك هم الكفرة الفجرة } . . الذين لا يؤمنون بالله وبرسالاته ، والذين خرجوا عن حدوده وانتهكوا حرماته . .وفي هذا الوجوه وتلك قد ارتسم مصير هؤلاء وهؤلاء . ارتسم ملامح وسمات من خلال الألفاظ والعبارات . وكأنما الوجوه شاخصة ، لقوة التعبير القرآني ودقة لمساته .بذلك يتناسق المطلع والختام . . المطلع يقرر
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1461)