فهرس الكتاب
وتهمل النوق الحوامل التي في بطونها أولادها ، بعد العناية بها لأنها أعز ما تكون على العرب ، وهذا على وجه المثل لأن في القيامة لا تكون ناقة عشراء ، ولكن أراد به المثل ، أن هول يوم القيامة لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه.
وتحشر الوحوش ، أي تجمع حتى يقتص لبعضها من بعض ، فيقتصّ للجمّاء من القرناء ، ثم يقال لها: كوني ترابا ، وهذا هو المعنى الأصح ، وقيل: حشرها: موتها وهلاكها ، وعلى كل حال ، تتعاظم المخاوف من رؤية ما يحدث.
وتسجّر البحار ، أي توقد إيقادا شديدا ، وتصير البحار والأرض كلها بساطا واحدا ، بأن يملأ مكان البحار بتراب الجبال ، فتزول صورة جمال البحر في مشهد الطبيعة.
ويحدث البعث ، فتقرن الأرواح بالأجساد ، وتسأل البنت المدفونة حية عن سبب وأدها وقتلها ، لتوبيخ الفاعل ، ولومه على فعله مخافة الحاجة والإملاق (الفقر) أو السبي والاسترقاق ولإلحاق البنات بالملائكة لأنهم كانوا يقولون: الملائكة بنات اللّه ، وكل ذلك غير مقبول ، فإنها قتلت بغير ذنب ، وعقاب القاتل النار.
وتنشر صحائف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشرّ ، تطوى بالموت ، وتنشر في يوم القيامة ، فيقف كل إنسان على صحيفته ، فيعلم ما فيها ، فيقول: ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [الكهف 18/ 49] .
وتكشط السماء كما يكشط الجلد عن الكبش وغيره ، وفي هذا غاية الرهبة.
وتوقد النار للكفار ويزداد في إحمائها ، وتدنى الجنة وتقرب من المتقين ، فيتحدد مصير الخلائق.
حين حدوث هذه الوقائع الجسام ، تعلم كل نفس علم اليقين ما عملت من خير وشرّ ، وتعرف مصيرها.
جاء في الصحيح عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَسَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ ، ثُمَّ يَنْظُرُ فَلاَ يَرَى شَيْئًا قُدَّامَهُ ، ثُمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِىَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ » [1] .
(1) - صحيح البخارى (6539 )