الصفحة 256 من 1282

[الضحى 93/ 1- 2] وقال تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا [الأنعام 6/ 96] ، وغير ذلك من الآيات.

وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة عَسْعَسَ تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك ، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما ، واللّه أعلم [1] .

إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ هذا هو المقسم عليه ، أي إن القرآن تبليغ رسول كريم ، ومقول قاله جبريل عليه السلام الشريف الكريم العزيز عند اللّه ، ونزل به من جهة اللّه سبحانه إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فليس القرآن من كلام البشر ، وإنما وصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من جبريل الذي تلقاه عن ربّه عزّ وجلّ.

ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ هذه أوصاف أربعة أخرى لجبريل عليه السلام ، فهو شديد القوى في الحفظ التام والتبليغ الكامل ، وذو رفعة عالية ، ومكانة سامية عند اللّه سبحانه ، ومطاع بين الملائكة ، يرجعون إليه ويطيعونه ، فهو من السادة الأشراف ، مؤتمن على الوحي والرسالة من ربّه ، وعلى غير ذلك. وإنما قال: ثَمَّ أي عند اللّه ، وقرئ « ثم » تعظيما للأمانة وبيانا لأنها أفضل صفاته المعدودة.

ووصف جبريل بالأمين تزكية عظيمة من اللّه لرسوله الملكي وعبده جبريل ، كما زكى عبده ورسوله البشرى محمدا - صلى الله عليه وسلم - بقوله: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ.

وبعد بيان أوصاف الرسول الملك ، ذكر تعالى وصف المرسل إليه ، فقال: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ أي وليس محمد - صلى الله عليه وسلم - يا أهل مكة بمجنون ، كما تزعمون.

وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره ، وبأنه أعقل الناس وأكملهم.

ونظير الآية قوله تعالى:أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ، إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الأعراف 7/ 184] ، وقوله: قُلْ: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ، إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ [سبأ 34/ 46] ، وقوله: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ ، وَقالُوا: مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ [الدخان 44/ 13- 14] .

وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ أي قد رأى محمد جبريل على صورته الأصلية ، له ست مائة جناح ، في مطلع أو أفق الشمس الأعلى من قبل المشرق ، بحيث حصل له علم ضروري (بدهي) بأنه ملك مقرب يطمأن لنزوله بالوحي عليه ، لا شيطان رجيم. وهذا كما جاء في سورة النجم: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ، أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى [11- 14] .

(1) - تفسير ابن كثير: 4/ 479

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت