الصفحة 257 من 1282

وهذه الرؤية بعد رؤيته في بدء الوحي عند غار حراء حين رآه على كرسي بين السماء والأرض في صورته ، له ست مائة جناح. وقيل: هي الرؤية التي رآه فيها عند سدرة المنتهى ، وسمي ذلك الموضع أفقا مجازا ، وقد كانت له عليه السلام رؤية ثانية بالمدينة ، وليست هذه [1] .

وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ أي ليس محمد - صلى الله عليه وسلم - على ما أنزله اللّه عليه من الوحي وخبر السماء ببخيل مقصر في التعليم والتبليغ ، بل يعلّم الخلق كلام اللّه وأحكامه دون أي انتقاص ، وهو ثقة مؤتمن لا يأتي بشيء من عند نفسه ، ولا يبدل ولا يغير أي حرف أو معنى فيه.

وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ أي وما القرآن بقول شيطان يسترق السمع ، مرجوم بالشهب ، فالقرآن ليس بشعر ولا كهانة ، كما قالت قريش ، وهذا كقوله تعالى: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ، وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء 26/ 210- 212] .

فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ أي: أيّ طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بيّنت لكم ؟ وأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن مع ظهوره ووضوحه وبيان كونه حقا من عند اللّه تعالى ؟

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ، لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ أي ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين ، وتذكير لهم بما ينفعهم ، وتحذير لهم عما يضرهم ، لمن أراد من البشر أن يستقيم على الحق والإيمان والطاعة ، فمن أراد الهداية فعليه بهذا القرآن ، فإنه مناجاة له وهداية ، ولا هداية فيما سواه.

قال الزمخشري: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ بدل من لِلْعالَمِينَ وإنما أبدلوا منهم لأن الذين شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر ، فكأنه لم يوعظ به غيرهم ، وإن كانوا موعوظين جميعا.

وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي وما تشاؤون الاستقامة ولا تقدرون على ذلك إلا بمشيئة اللّه وتوفيقه ، فليست المشيئة موكولة إليكم ، فمن شاء اهتدى ، ومن شاء ضل ، بل ذلك كله تابع لمشيئة اللّه تعالى ربّ الإنس والجن والعالم كله. آمنت باللّه وبما يشاء ، فلا يقدر أحد على شيء إلا بما يخلق فيه من قوة ، وبما يودع اللّه فيه من قدرة يتمكن من توجيهها نحو الإيمان والخير أو نحو الكفر والشر ، وهذا يعني أن اللّه أودع في الناس قدرة الاختيار ، بدليل الآيات الأخرى التي تنفي الإجبار والإكراه.

ومضات:

(1) - البحر المحيط: 8/ 434- 435

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت