فهرس الكتاب
{ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ } أي: ولقد رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - جبريل بالأفق الأعلى ، المظهر لما يرى فيه .
قال ابن كثير: والظاهر - والله أعلم - أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية وهي الأولى ، وأما الثانية وهي المذكورة في قوله تعالى:
{ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى } [ النجم 13 - 15 ] ، فتلك إنما ذكرت في سورة النجم ، وقد نزلت بعد سورة الإسراء .
والقصد من بيان رؤيته لجبريل عليهما السلام متمثلًا له ، هو التحقيق الموحي به ، وأن أمره مبني على مشاهدة وعيان ، لا على ظن وحسبان ، وما سبيله كذلك فلا مدخل للريب فيه .
{ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ } أي: ببخيل .
قال مجاهد: ما يضن عليكم بما يعلم ، أي: لا يبخل بالتعليم والتبليغ . وقال الفراء: يأتيه غيبُ السماء ، وهو شيء نفيس ، فلا يبخل به عليكم . وقال أبو علي الفارسيّ: المعنى أنه يخبر بالغيب فيبينه ولا يكتمه ، كما يكتم الكاهن ذلك ويمتنع من إعلامه حتى يأخذ عليه حلوانًا . وقرئ: { بظنين } بالظاء ، أي: ما هو بمهتم على ما يخبر به من الغيب .
قال القاشاني: لامتناع استيلاء شيطان الوهم وجنّ التخيل عليه ، فيخلط كلامه ويمتزج المعنى القدسي بالوهميّ والخياليّ ؛ لأن عقله صُفّي عن شوب الوهم . والمعنى أنه صادق فيما يخبر به من الوحي واليوم الآخر والجزاء ، ليس من شأنه أن يُتهم فيه ، كما قال هرقل لأبي سفيان: وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا ؛ فعرفتُ أنهُ لم يكن ليدَع الكذبَ على الناس ثم يذهب فيكذب على الله .
تنبيه:
قال ابن جرير: وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب ، ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقه وإن اختلفت قراءتهم به ، وذلك { بِضَنِينٍ } بالضاد ؛ لأن ذلك كله كذلك في خطوطها . فأولى التأويلين بالصواب في ذلك ، تأويل من تأوّلهُ: وما محمد - على ما علَّمهُ الله من وحيه وتنزيله - ببخيل بتعليمكموه أيها الناس ، بل هو حريص على أن تؤمنوا به وتتعلموه . انتهى . واختار أبو عبيدة القراءة بالظاء لوجهين:
أحدهما: أن الكفار لم يبخلوه ، وإنما اتهموهُ ، فنفي التهمة أولى من نفي البخل .
وثانيهما: قوله: { عَلَى الْغَيْبِ } ولو كان المراد البخل لقال: بالغيب ؛ لأنه يقال: فلان ضنين بكذا ، وقلما يقال: على كذا .
وقال الشهاب: قال في"النشر": هو بالضاد في جميع المصاحف ، ولا ينافي هذا قول أبي عبيدة ، أن الضاد و الظاء في الخط القديم لا يختلفان إلا بزيادة رأس إحداهما على الأخرى ،