فهرس الكتاب
زيادة يسيرة ، قد تشتبه . وهو كما قال . ويعرفه من قرأ الخط المسند . وليس فيه اتهام لنقلة المصاحف كما توهم ؛ لأن ما نقلوه موافق للقراءة المتواترة . ولا بد مما ذكره أبو عبيدة ، لأنهم اشترطوا في القراءات موافقة الرسم العثمانيّ ، ولولاه كانت قراءة الظاء مخالفة له انتهى
قال ابن كثير: وكلتا القراءتين متواترة ومعناها صحيح كما تقدم . [1]
قوله تعالى: « فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ » .قلنا ، في غير هذا الموضع ، إن هذه الأقسام المنفية ، يراد بها التعريض بالقسم ، لا وقوع القسم ذاته .. إذ كان الأمر الواقع في معرض القسم أظهر من أن يحتاج إلى توكيد وجوده بقسم. والخنس: هى الكواكب ، إذا طلع عليها النهار خنست أي غابت ، واختفت معالمها عن الأنظار ..
والجوار الكنس ، هى هذه الكواكب في حال ظهورها بالليل ، ثم تغيبها في الأفق الغربىّ ، بفعل حركة الأرض ، ودورانها اليومي من الغرب إلى الشرق .. والكناس ، مأوى الظباء ، وبيتها الذي تسكن إليه.
والخنس: جمع خنساء ، وهى الظبية ، تدخل في كناسها ، ومن هذا سمّى العرب به بعض بناتهم ، ومنهن الخنساء الشاعرة المعروفة تشبيها بالظبية في جمالها وتناسق أعضائها ، ثم في خفرها ، وحيائها ، وصونها.
هذا ، ومن أسماء الشمس عند العرب « الغزالة » تشبيها لها بالغزالة في جمالها وتحركها الرتيب الهادئ على مسرح مرعاها ، حتى إذا غربت الشمس ، عادت إلى كناسها ، واختفت فيه. وخنست .. قال المعرى:
ولم أرغب عن اللذات إلّا لأنّ خيارها عنّى خنسنه
والفاء في قوله تعالى: « فلا أقسم » هو مرتبط بما وقع جوابا للشرط « إذا » في أول السورة وهو قوله تعالى « عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ » أي إن هذا الحق واقع ، فلا أقسم لكم على توكيده بِالْخُنَّسِ ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ ».
قوله تعالى « وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ » ..عسعس الليل ، أي قفل راجعا ، وذهب ظلامه الذي كان مخيما على الكون .. ومنه العسس ، وهم حراس الليل من الجنود ، يعسّون في الطرقات أي يتحركون تحت جنح الظلام ، ليروا ماذا يجرى من أحداث يحدثها أهل الشرّ تحت هذا الستار من الظلام .. فالليل ، متحرك ، وليس ثابتا .. إنه يجرى إلى كناسه ، كما تجرى الكواكب إلى كناسها ..
(1) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 156)