فهرس الكتاب
قوله تعالى: « وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ » معطوف على قوله تعالى: « وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ » وتنفس الصبح ، ظهوره ، ودبيب الحياة فيه.
وفى التعبير عن ظهور الصبح بالتنفس ، إشارة إلى أنه مولد حياة للأحياء جميعها ، حيث تبعث الحياة من جديد في الأحياء ، مع الصباح ، بعد أن غشيها النوم ، وحبسها عن الحركة ، فبدت وكأنها في عالم الموتى .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ » (60: الأنعام) قوله تعالى: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ » هو جواب القسم المنفي: « فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ... » أي فلا أقسم لكم بالخنس ، الجوار الكنس ، ولا بالليل إذا عسعس ، ولا بالصبح إذا تنفس ـ بأن أخبار يوم القيامة وأحداثها ، واقعة لا شك فيها ، وأن هذه الأخبار التي تحدثكم عن هذا اليوم ، هى قول رسول كريم ، هو رسول الوحى ، جبريل عليه السلام ، بلّغ به كلمات ربه إليه .. لا أقسم لكم بهذه العوالم على وقوع هذا الخبر ، فإنه بيّن ظاهر . ونسبة القول ، وهو القرآن ، إلى جبريل ، لأنه هو المبلّغ له ، القائل لما قيل له من ربه سبحانه وتعالى ..
وقوله تعالى: « ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ » هو من صفة جبريل عليه السلام ، وهو أنه ذو مكانة مكينة عند ذى العرش ، وهو اللّه سبحانه وتعالى ..
وقوله تعالى: « مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ » ومن صفات جبريل أيضا أنه مطاع هناك من ملائكة الرحمن ، أمين على ما يحمل من كلمات اللّه إلى رسل اللّه ، لا يبدل ، ولا يحرّف.
قوله تعالى: « وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ » وإذن فما صاحبكم هذا ، وهو محمد ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ ما هو بمجنون كما تقولون عنه ، وإنما هو يتلقى هذا القول الذي يقوله لكم ، من رسول أمين ممن السماء ، يبلغ النبىّ رسالة ربه اليه.
قوله تعالى: « وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ » المفسرون على أن الهاء في قوله تعالى: « ولقد رآه » يعود إلى جبريل ، عليه السلام ، وأن المرئي لجبريل ، هو النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأن الأفق المبين ، هو الأفق العالي ، أي أفق السموات العلا ، حيث عرج بالنبي ، فظهر له جبريل على صورته الملكية ..
وإنه الأولى عندنا ، أن يكون هذا الضمير عائدا على القرآن الكريم ، وهو هذا القول الذي تلقاه النبي من جبريل .. فلقد رأى النبي ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ القرآن الكريم بالأفق المبين ، العالي الواضح ، في معراجه إلى الملأ الأعلى ، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: « لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى » (18: النجم) فالقرآن هو بعض ما رأى النبي الكريم في معراجه .. حيث كان القرآن قد نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر ، كما يذهب إلى ذلك أكثر العلماء في تفسير قوله تعالى: « إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ » قوله تعالى: « وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ »