فهرس الكتاب
أي وليس النبي ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ بالذي يضن بأنباء الغيب التي يتلقاها من ربه ، فيما تحمل إليه آيات اللّه من أحداث يوم القيامة ، وغيرها ، مما جاء في القرآن الكريم ، وإنما هو رسول من عند اللّه ، ومطلوب منه أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه: « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ » (67: المائدة) فالمراد بالغيب هنا ، هو القرآن الكريم ، وآياته التي حملت إلى النبي ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ كثيرا من أنباء الغيب ، من قصص وغيره ، كما يقول سبحانه: « تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا » (49: هود) وقرىء: بضنين ، بظنين ، أي بمتهم .. أي ليس النبي ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ بمتهم فيما يبلغ من آيات ربه.
قوله تعالى: « وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ » ؟ أي أن هذا القرآن هو من قول اللّه سبحانه وتعالى ، الذي نقله رسول الوحى جبريل ، وليس من وساوس الشيطان ، ولا من مقولاته .. « وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ، وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ » (210 ـ 212: الشعراء) وقوله تعالى: « فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ » ؟
أي فإلى أي مذهب من مذاهب الضلال تذهبون ، بعد هذا البيان المبين ، وبعد تلك الحجة الواضحة ؟
أهناك مذهب لكم إلى غير اللّه ، وإلى غير ما تدعوكم إليه آيات اللّه ؟ إن أي طريق آخر غير هذا الطريق هو الضلال والهلاك وقوله تعالى: « إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ » أي هذا القرآن ، ما هو إلا ذكر ، وهدى ، للعالمين وقوله تعالى: « لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ » هو بدل بعض من كلّ من قوله تعالى: « للعالمين » أي هذا القرآن هو ذكر للعالمين جميعا .. وهو ذكر لمن شاء منكم أيها المشركون ، أن يتلقى منه الموعظة والهدى ، ويستقيم على طريق الحق ويسلك مسلك النجاة ..
وقوله تعالى: « وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » . الواو هنا للحال ، أي من شاء منكم أن يستقيم ، فليطلب الاستقامة ، وليرد مواردها ، وليأخذ بالأسباب إليها .. ثم إن مشيئتكم تلك مرتهنة بمشيئة اللّه العامة الشاملة ، التي كل مشيئة منطوية تحتها ، دائرة في فلكها ..
فالإنسان ـ وإن كانت له مشيئة ـ ليس بالذي يستقلّ بمشيئته عن مشيئة اللّه ، فهو إذ يشاء شيئا ، وإذ يمضى هذا الشيء ، فإنما ذلك من مشيئة اللّه فيه ..
وهذا ليس بالذي يدعو الإنسان إلى أن يعطل مشيئته ، منتظرا مشيئة اللّه فيه ، لأنه لا يعلم ما مشيئة اللّه فيه .. بل إن عليه أن يعمل مشيئته ، كما يعمل جوارحه جميعها ، فإذا وافقت مشيئته مشيئة اللّه ، مضت ونفذت ، وإن خالفت مشيئة اللّه لم تمض ، ولم تنفذ ، ومضت مشيئة اللّه! هذا هو المطلوب من العبد .. فإن أعطى مشيئته ما ينبغى أن يقدّمه بين يديها من بحث ـ ونظر