فهرس الكتاب
، وعقل ـ جاءت مشيئته قائمة على طريق الحق ، مثمرة له أطيب الثمر ، تماما ، كما إذا أيقظ حواسه ، وعمل بها في المحسوسات ، كان له من معطياتها ما يصله بالحياة وصلا وثيقا ، ويقيمه على طريقها دون أن يتعثر ، أو يضلّ! [1]
والخنس الجوار الكنس . . هي الكواكب التي تخنس أي ترجع في دورتها الفلكية وتجري وتختفي . والتعبير يخلع عليها حياة رشيقة كحياة الظباء . وهي تجري وتختبئ في كناسها وترجع من ناحية أخرى . فهناك حياة تنبض من خلال التعبير الرشيق الأنيق عن هذه الكواكب ، وهناك إيحاء شعوري بالجمال في حركتها . في اختفائها وفي ظهورها . في تواريها وفي سفورها . في جريها وفي عودتها . يقابله إيحاء بالجمال في شكل اللفظ وجرسه .
{ والليل إذا عسعس } . . أي إذا أظلم . ولكن اللفظ فيه تلك الإيحاءات كذلك . فلفظ عسعس مؤلف من مقطعين: عس . عس . وهو يوحي بجرسه بحياة في هذا الليل ، وهو يعس في الظلام بيده أو برجله لا يرى! وهو إيحاء عجيب واختيار للتعبير رائع .
ومثله: { والصبح إذا تنفس } . . بل هو أظهر حيوية ، وأشد إيحاء . والصبح حي يتنفس . أنفاسه النور والحياة والحركة التي تدب في كل حي ، وأكاد أجزم أن اللغة العربية بكل مأثوراتها التعبيرية لا تحتوي نظيرًا لهذا التعبير عن الصبح . ورؤية الفجر تكاد تشعر القلب المتفتح أنه بالفعل يتنفس! ثم يجيء هذا التعبير فيصور هذه الحقيقة التي يشعر بها القلب المتفتح.
وكل متذوق لجمال التعبير والتصوير يدرك أن قوله تعالى: { فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس ، والليل إذا عسعس ، والصبح إذا تنفس . . } ثروة شعورية وتعبيرية . فوق ما يشير إليه من حقائق كونية . ثروة جميلة بديعة رشيقة؛ تضاف إلى رصيد البشرية من المشاعر ، وهي تستقبل هذه الظواهر الكونية بالحس الشاعر .
يلوح بهذه المشاهد الكونية التي يخلع عليها الحياة؛ ويصل روح الإنسان بأرواحها من خلال التعبير الحي الجميل عنها؛ لتسكب في روح الإنسان أسرارها ، وتشي له بالقدرة التي وراءها ، وتحدثها بصدق الحقيقة الإيمانية التي تدعى إليها . . ثم يذكر هذه الحقيقة في أنسب الحالات لذكرها واستقبالها: { إنه لقول رسول كريم . ذي قوة عند ذي العرش مكين . مطاع ثم أمين } .
إن هذا القرآن ، وهذا الوصف لليوم الآخر . . لقول رسول كريم . . وهو جبريل الذي حمل هذا القول وأبلغه . . فصار قوله باعتبار تبليغه .
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1471)