الصفحة 278 من 1282

وإذا قلب تراب القبور ، وأخرج موتاها ، وصار باطنها ظاهرها.وإذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة ، فهناك يحصل الحشر والنشر ، وبما أن المراد من هذه الآيات بيان تخريب العالم ، وفناء الدنيا ، فإنه يلاحظ الترتيب ، فيبدأ أولا بتخريب السماء التي هي كالسقف ، ويلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب ، ثم يخرب ما على وجه الأرض التي هي كالبناء ، وهو تفجير البحار ، ثم تقلب الأرض ظهرا لبطن ، وبطنا لظهر ، وهو بعثرة القبور.

وجواب الشرط قوله تعالى:

عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ أي إذا حدثت الأمور المتقدمة ، علمت كل نفس عند نشر الصحف ما قدمت من عمل خير أو شر ، وما أخّرت من الأعمال بسبب التكاسل والإهمال ، كما قال تعالى: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة 75/ 13] .

وبما أن المراد بهذه الأمور يوم القيامة ، فيكون المقصود بالآية الأخيرة في الأصح الزجر عن المعصية ، والترغيب في الطاعة.

وبعد بيان تبدل نظام العالم ، والإخبار عن وقوع الحشر والنشر ، وبّخ اللّه تعالى الإنسان على تقصيره في عمل الخير ، وجحوده النعم ، بأن لم يطع أوامر اللّه شكرا على النعمة ، فقال:

يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ أي يا أيها الإنسان المدرك نهاية العالم ما الذي خدعك وجرأك على عصيان ربّك الكريم الذي أنعم عليك في الدنيا ، حيث خلقك من نطفة بعد العدم ، وجعلك سويا مستقيما ، معتدل القامة في أحسن هيئة وشكل ، متناسب الأعضاء ، لا تفاوت فيها ، مزوّدا بالحواس من السمع والبصر ، وطاقة العقل والفهم.

والأصح أن الآية تتناول جميع العصاة لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت الآية من أجله.

وقد وصف اللّه تعالى نفسه في هذا المقام بالكرم ، وهذا الوصف يقتضي الاغترار به ، حتى قالت العقلاء: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه. فكان الكرم سبب الاغترار ، وإنما وقع الإنكار عليه لأن الإنسان لم يدرك أن كرمه صادر عن الحكمة ، وهي تقتضي ألا يهمل وإن أمهل ، وأن ينتقم للمظلوم من الظالم ولو بعد حين ، وقيل: غرّه ، جهله ، وقيل: غرّه عدوه المسلّط عليه ، وهو الشيطان ، وقيل: غرّه عفو اللّه إذ لم يعاجله بالعقوبة أول مرة.

فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ أي ركّبك في أي صورة شاءها من أبهى الصور وأجملها ، وأنت لم تختر صورة نفسك ، كما قال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين 95/ 4] .

ومضات:

الخطاب بيا أيها الإنسان ، استدعاء لمعانى الإنسانية التي أودعها اللّه سبحانه وتعالى في الإنسان ، من قوى عاقلة مدركة ، من شأنها أن تميز بين الخير والشر ، وتفرق بين الإحسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت