الصفحة 279 من 1282

والإساءة ، وأن تضع بين يدى الإنسان ميزانا سليما يضع في إحدى كفتيه ما أحسن اللّه به إليه ، ويضع في الكفة الأخرى ما يقدر عليه من شكر ، وذلك بإحسان العمل ، كما يقول سبحانه: « وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ » . (77: القصص) فإذا رأى الإنسان الكفة التي وضع فيها إحسان اللّه إليه ملأى بالعطايا والمنن ، ثم لم يضع في الكفة الأخرى شيئا في مقابل هذا الإحسان ، بل وتجاوز هذا ، فملأ الكفة كفرا باللّه ، ومحادة للّه ولأوليائه ـ فأىّ إنسان هو؟ وأي جزاء يجزى به؟

وفى اختيار صفة « الكريم » للّه سبحانه وتعالى في هذا المقام ، من بين صفاته الكريمة جل شأنه ـ في هذا إلفات إلى هذا الإحسان العظيم الذي أفاضه اللّه على الإنسان ، وإلى مقدار جحود الإنسان وكفرانه ، وضلاله ، مع هذا الفضل الغامر ، الذي يجده الإنسان في كل ذرة من ذراته ، ومع كل نفس من أنفاسه ..و في قوله تعالى: « ما غرك » إنكار على الإنسان أن يدعوه توالى الإحسان عليه ، وتكاثر النعم بين يديه ، إلى أن يتخذ من ذلك أسلحة يحارب بها ربه المحسن الكريم ..

وكرم الكريم ، وإحسان المحسن ، إذا قوبل ممن أكرم وأحسن إليه ، بالاستخفاف ، ثم النكران والجحود ، ثم بالحرب والعدوان على الحدود ـ كان من مقتضى الحكمة والعدل معا ، أن يؤدّب هذا الجاحد المنكر ، وأن يذوق مرارة الحرمان ، كما ذاق حلاوة الإحسان .. وإلا فقد الإحسان معناه ، وذهب ريحه الطيب ، الذي يجده الذين يعرفون قدره ، ويؤدون حقه ..

يقول المتنبى:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضرّ كوضع السيف في موضع الندى

وقد تأول بعض المتأولين هذه الآية تأويلا فاسدا ، حين أقاموا منها حجة لأهل الزيغ والضلال ، يلقون بها ربهم ، إذا سئل أحدهم من ربه: « ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟ » فيقول في قحة ، وبلا حياء: « غرّنى كرمك » !! إن ذلك مكر باللّه ، واللّه أسرع مكرا! ونعم ، إن اللّه كريم كرما لا حدود له .. ولكن هذا الكرم ، لا يقع إلا حيث المواقع التي تحيا به ، وتثمر أطيب الثمر في ظله .. إنه كرم بحكمة ، وحساب وتقدير .. « وَ كُلُّ شَيْ ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ » (8: الرعد) ولقد وسع كرمه سبحانه ، سيئات المسيئين ، فتقبل توبتهم ، وجعل السيئة سيئة ، والحسنة عشرا ، إلى سبعمائة ، وأضعاف السبعمائة: « وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » . (261

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت