فهرس الكتاب
إزالتها ، فمن هذه سنته في عباده - وقد خوفني عقابه - فكيف لا أخافه ؟ وكيف أغتر به ؟ فالخوف والرجاء قائدان وسائقان يبعثان الناس على العمل ، فما لا يبعث على العمل فهو تمنن وغرور ، ورجاء كافة الخلق هو سبب فتورهم ، وسبب إقبالهم على الدنيا ، وسبب إعراضهم عن الله تعالى ، وإهمالهم السعي للآخرة ، فذلك غرور . وقد روي أن الغرور سيغلب على قلوب آخر هذه الأمة . وقد كان ذلك ، فقد كان الناس في الإعصار الأول يواظبون على العبادات ، و { يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } [ المؤمنون: 60 ] يخافون على أنفسهم ، وهم طول الليل والنهار في طاعة الله ، يبالغون في التقوى والحذر من الشبهات والشهوات ، ويبكون على أنفسهم في الخلوات ، وأما الآن فترى الخلق آمنين مسرورين مطمئنين غير خائفين ، مع إكبابهم على المعاصي وانهماكهم في الدنيا وإعراضهم عن الله تعالى ، زاعمين أنهم واثقون بكرم الله تعالى وفضله ، راجون لعفوه ومغفرته ، كأنهم يزعمون أنهم عرفوا من فضله وكرمه مالم يعرفه الأنبياء والصحابة والسلف الصالحون ، فإن كان هذا الأمر يدرك بالمنى ، وينال بالهوينا ، فعلى ماذا كان بكاء أولئك وخوفهم وحزنهم ؟ !
ثم قال: والقرآن من أوله إلى آخره تحذير وتخويف ، ولا يتفكر فيه متفكِِّر إلا ويطول حزنه ويعظم خوفه ، وإن كان مؤمنًا بما فيه . وترى الناس يهذَّونه هذًّا: يخرجون الحروف من مخارجها ويتناظرون على خفضها ورفعها ونصبها ، وكأنهم يقرؤون شعرًا من أشعار العرب ، لا يهمهم الالتفات إلى معانيه ، والعمل بما فيه ، وهل في العالم غرور يزيد على هذا ؟ انتهى . [1]
في الآيات: إنذار بالبعث وهول مشاهده: فحينما تتشقق السماء وتتساقط الكواكب وتنتثر وتتفجّر البحار وتتفتح القبور عمّا فيها يقف الناس جميعهم أمام اللّه موقف القضاء فيذكر ويعلم كل منهم ما صدر منه من الأعمال صغيرها وكبيرها ، سرّها وعلنها.
وأسلوب هذا المطلع قد تكرر في صدد الإنذار بالآخرة والتخويف من أهوالها. [2]
إن هذا الإيحاء يتجه إلى خلع النفس من كل ما تركن إليه في هذا الوجود ، إلا الله سبحانه خالق هذا الوجود ، الباقي بعد أن يفنى كل موجود . والاتجاه بالقلب إلى الحقيقة الوحيدة الثابتة الدائمة التي لا تحول ولا تزول ، ليجد عندها الأمان والاستقرار ، في مواجهة الانقلاب والاضطراب والزلزلة والانهيار ، في كل ما كان يعهده ثابتًا مستقرًا منتظمًا انتظامًا يوحي بالخلود! ولا خلود إلا للخالق المعبود!
(1) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 160)
(2) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع - (5 / 419)