الصفحة 282 من 1282

ويذكر هنا من مظاهر الانقلاب انفطار السماء .. أي انشقاقها . وقد ذكر انشقاق السماء في مواضع أخرى: قال في سورة الرحمن: { فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان } وقال في سورة الحاقة: { وانشقت السماء . فهي يومئذ واهية } وقال في سورة الانشقاق: { إذا السماء انشقت . . . } فانشقاق السماء حقيقة من حقائق ذلك اليوم العصيب . أما المقصود بانشقاق السماء على وجه التحديد فيصعب القول به ، كما يصعب القول عن هيئة الانشقاق التي تكون . . وكل ما يستقر في الحس هو مشهد التغير العنيف في هيئة الكون المنظور ، وانتهاء نظامه هذا المعهود ، وانفراط عقده ، الذي يمسك به في هذا النظام الدقيق . .

ويشارك في تكوين هذا المشهد ما يذكر عن انتثار الكواكب . بعد تماسكها هذا الذي تجري معه في أفلاكها بسرعات هائلة مرعبة ، وهي ممسكة في داخل مداراتها لا تتعداها ، ولا تهيم على وجهها في هذا الفضاء الذي لا يعلم أحد له نهاية . ولو انتثرت كما سيقع لها يوم ينتهي أجلها وأفلتت من ذلك الرباط الوثيق غير المنظور الذي يشدها ويحفظها ، لذهبت في الفضاء بددًا ، كما تذهب الذرة التي تنفلت من عقالها!

وتفجير البحار يحتمل أن يكون هو امتلاؤها وغمرها لليابسة وطغيانها على الأنهار . كما يحتمل أن يكون هو تفجير مائها إلى عنصريه: الأكسوجين والهيدروجين؛ فتتحول مياهها إلى هذين الغازين كما كانت قبل أن يأذن الله بتجمعهما وتكوين البحار منهما . كذلك يحتمل أن يكون هو تفجير ذرات هذين الغازين كما يقع في تفجير القنابل الذرية والهيدروجينية اليوم . . فيكون هذا التفجير من الضخامة والهول بحيث تعتبر هذه القنابل الحاضرة المروعة لعب أطفال ساذجة! . . أو أن يكون بهيئة أخرى غير ما يعرف البشر على كل حال . . إنما هو الهول الذي لم تعهده أعصاب البشر في حال من الأحوال!

وبعثرة القبور . . إما أن تكون بسبب من هذه الأحداث السابقة . وإما أن تكون حادثًا بذاته يقع في ذلك اليوم الطويل ، الكثير المشاهد والأحداث . فتخرج منها الأجساد التي أعاد الله إنشاءها - كما أنشأها أول مرة - لتتلقى حسابها وجزاءها . .

يؤيد هذا ويتناسق معه قوله بعد عرض هذه المشاهد والأحداث: { علمت نفس ما قدمت وأخرت } . . أي ما فعلته أولًا وما فعلته أخيرًا . أو ما فعلته في الدنيا ، وما تركته وراءها من آثار فعلها . أو ما استمتعت به في الدنيا وحدها ، وما ادخرته للآخرة بعدها .

على أية حال سيكون علم كل نفس بهذا مصاحبًا لتلك الأهوال العظام . وواحدًا منها مروّعًا لها كترويع هذه المشاهد والأحداث كلها!

والتعبير القرآني الفريد يقول: { علمت نفس } . . وهو يفيد من جهة المعنى: كل نفس . ولكنه أرشق وأوقع . . كما أن الأمر لا يقف عند حدود علمها بما قدمت وأخرت .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت