الصفحة 283 من 1282

فلهذا العلم وقعه العنيف الذي يشبه عنف تلك المشاهد الكونية المتقلبة . والتعبير يلقي هذا الظل دون أن يذكره نصًا . فإذا هو أرشق كذلك وأوقع!

وبعد هذا المطلع الموقظ المنبه للحواس والمشاعر والعقول والضمائر ، يلتفت إلى واقع الإنسان الحاضر ، فإذا هو غافل لاه سادر . . هنا يلمس قلبه لمسة فيها عتاب رضيّ ، وفيها وعيد خفي ، وفيها تذكير بنعمة الله الأولى عليه: نعمة خلقه في هذه الصورة السوية على حين يملك ربه أن يركبه في أي صورة تتجه إليها مشيئته . ولكنه اختار له هذه الصورة السوية المعتدلة الجميلة . . وهو لا يشكر ولا يقدر: { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ، الذي خلقك فسواك فعدلك ، في أي صورة ما شاء ركبك } . .

إن هذا الخطاب: { يا أيها الإنسان } ينادي في الإنسان أكرم ما في كيانه ، وهو « إنسانيته » التي بها تميز عن سائر الأحياء؛ وارتفع إلى أكرم مكان؛ وتجلى فيها إكرام الله له ، وكرمه الفائض عليه .

ثم يعقبه ذلك العتاب الجميل الجليل: { ما غرك بربك الكريم؟ } يا أيها الإنسان الذي تكرم عليك ربك ، راعيك ومربيك ، بإنسانيتك الكريمة الواعية الرفيعة . . يا أيها الإنسان ما الذي غرك بربك ، فجعلك تقصر في حقه ، وتتهاون في أمره ، ويسوء أدبك في جانبه؟ وهو ربك الكريم ، الذي أغدق عليك من كرمه وفضله وبره؛ ومن هذا الإغداق إنسانيتك التي تميزك عن سائر خلقه ، والتي تميز بها وتعقل وتدرك ما ينبغي وما لا ينبغي في جانبه؟

ثم يفصل شيئًا من هذا الكرم الإلهي ، الذي أجمله في النداء الموحي العميق الدلالة . المشتمل على الكثير من الإشارات المضمرة في التعبير . يفصل شيئًا من هذا الكرم الإلهي المغدق على الإنسان المتمثل في إنسانيته التي ناداه بها في صدر الآية . فيشير في هذا التفصيل إلى خلقه وتسويته وتعديله؛ وهو القادر على أن يركبه في أي صورة وفق مشيئته . فاختياره هذه الصورة له منبثق من كرمه ومن فضله وحده ، ومن فيضه المغدق على هذا الإنسان الذي لا يشكر ولا يقدر . بل يغتر ويسدر!

{ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك؟ } . .

إنه خطاب يهز كل ذرة في كيان الإنسان حين تستيقظ إنسانيته ، ويبلغ من القلب شغافه وأعماقه ، وربه الكريم يعاتبه هذا العتاب الجليل ، ويذكره هذا الجميل ، بينما هو سادر في التقصير ، سيئ الأدب في حق مولاه الذي خلقه فسواه فعدله . .

إن خلق الإنسان على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة ، الكاملة الشكل والوظيفة ، أمر يستحق التدبر الطويل ، والشكر العميق ، والأدب الجم ، والحب لربه الكريم ، الذي أكرمه بهذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت