ـ فإن هذا الظاهر من أمرهم في الدنيا ، لن يكون لهم منه شىء في الآخرة .. كما يقول سبحانه: « لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ » (16: غافر) [1]
يكشف عن علة الغرور والتقصير وهي التكذيب بيوم الحساب ويقرر حقيقة الحساب ، واختلاف الجزاء ، في توكيد وتشديد: { كلا! بل تكذبون بالدين . وإن عليكم لحافظين ، كرامًا كاتبين ، يعلمون ما تفعلون . إن الأبرار لفي نعيم . وإن الفجار لفي جحيم ، يصلونها يوم الدين ، وما هم عنها بغائبين } . .
وكلا كلمة ردع وزجر عما هم فيه . وبل كلمة إضراب عما مضى من الحديث . ودخول في لون من القول جديد . لون البيان والتقرير والتوكيد . وهو غير العتاب والتذكير والتصوير . .
{ كلا . بل تكذبون بالدين } . . تكذبون بالحساب والمؤاخذة والجزاء . وهذه هي علة الغرور ، وعلة التقصير . فما يكذب القلب بالحساب والجزاء ثم يستقيم على هدى ولا خير ولا طاعة . وقد ترتفع القلوب وتشف ، فتطيع ربها وتعبده حبًا فيه ، لا خوفًا من عقابه ، ولا طمعًا في ثوابه . ولكنها تؤمن بيوم الدين وتخشاه ، وتتطلع إليه ، لتلقى ربها الذي تحبه وتشتاق لقاءه وتتطلع إليه . فأما حين يكذب الإنسان تكذيبًا بهذا اليوم ، فلن يشتمل على أدب ولا طاعة ولا نور . ولن يحيا فيه قلب ، ولن يستيقظ فيه ضمير .
تكذبون بيوم الدين . . وأنتم صائرون إليه ، وكل ما عملتم محسوب عليكم فيه . لا يضيع منه شيء ، ولا ينسى منه شيء: { وإن عليكم لحافظين ، كرامًا كاتبين ، يعلمون ما تفعلون } . .
وهؤلاء الحافظون هم الأرواح الموكلة بالإنسان من الملائكة التي ترافقه ، وتراقبه ، وتحصي عليه كل ما يصدر عنه . . ونحن لا ندري كيف يقع هذا كله ، ولسنا بمكلفين أن نعرف كيفيته . فالله يعلم أننا لم نوهب الاستعداد لإدراكها . وأنه لا خير لنا في إدراكها . لأنها غير داخلة في وظيفتنا وفي غاية وجودنا . فلا ضرورة للخوض فيما وراء المدى الذي كشفه الله لنا من هذا الغيب . ويكفي أن يشعر القلب البشري أنه غير متروك سدى . وأن عليه حفظة كرامًا كاتبين يعلمون ما يفعله ، ليرتعش ويستيقظ ، ويتأدب! وهذا هو المقصود!
ولما كان جو السورة جو كرم وكرامة ، فإنه يذكر من صفة الحافظين كونهم . . { كرامًا } . . ليستجيش في القلوب إحساس الخجل والتجمل بحضرة هؤلاء الكرام . فإن الإنسان ليحتشم ويستحيي وهو بمحضر الكرام من الناس أن يسف أو يتبذل في لفظ أو حركة أو تصرف . . فكيف به حين يشعر ويتصور أنه في كل لحظاته وفي كل حالاته في حضرة حفظة من الملائكة { كرام } لا يليق أن يطلعوا منه إلا على كل كريم من الخصال والفعال؟!
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1483)