إِنَّكَ نَسِيتَ اللَّهَ فَنَسِيتَنِي ، وَلَوْ أَحْبَبْتَ اللَّهَ تَعَالَى لَأَحْبَبْتَنِي ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: يَا أَبَا حَازِمٍ تَشْتُمُنِي ؟ قَالَ سُلَيْمَانُ: مَا شَتَمَكَ ، وَلَكِنْ شَتَمَتْكَ نَفْسُكَ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لِلْجَارِ عَلَى الْجَارِ حَقًّا كَحَقِّ الْقَرَابَةِ ، فَلَمَّا ذَهَبَ أَبُو حَازِمٍ قَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ سُلَيْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تُحِبُّ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مِثْلَ أَبِي حَازِمٍ ؟ قَالَ: لَا"حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ [1] "
وقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُوسَى:"مَرَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يُرِيدُ مَكَّةَ ، فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا ، فَقَالَ: هَلْ بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ أَدْرَكَ أَحَدًا ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؟ فَقَالُوا لَهُ: أَبُو حَازِمٍ . فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ ، قَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَازِمٍ مَا هَذَا الْجَفَاءُ ؟ قَالَ: أَبُو حَازِمٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَيُّ جَفَاءٍ رَأَيْتَ مِنِّي ؟ قَالَ: أَتَانِي وُجُوهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَمْ تَأْتِنِي ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَقُولَ مَا لَمْ يَكُنْ ، مَا عَرَفْتَنِي قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ ، وَلَا أَنَا رَأَيْتُكَ ، قَالَ: فَالْتَفَتَ سُلَيْمَانُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، فَقَالَ: أَصَابَ الشَّيْخُ وَأَخْطَأْتُ ، قَالَ: سُلَيْمَانُ يَا أَبَا حَازِمٍ مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ ؟ قَالَ:"لِأَنَّكُمْ أَخْرَبْتُمُ الْآخِرَةَ ، وَعَمَّرْتُمُ الدُّنْيَا ، فَكَرِهْتُمْ أَنْ تُنْتقَلُوا مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ"، قَالَ: أَصَبْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ ، فَكَيْفَ الْقُدُومُ غَدًا عَلَى اللَّهِ ؟ قَالَ:"أَمَّا الْمُحْسِنُ ، فَكَالْغَائِبِ يَقْدُمُ عَلَى أَهْلِهِ ، وَأَمَّا الْمُسِيءُ ، فَكَالْآبِقِ يَقْدُمُ عَلَى مَوْلَاهُ"، فَبَكَى سُلَيْمَانُ وَقَالَ: لَيْتَ شِعْرِي مَا لَنَا عِنْدَ اللَّهِ ؟ قَالَ:"اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ"، قَالَ: وَأَيُّ مَكَانٍ أَجِدُهُ ؟ قَالَ: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ يَا أَبَا حَازِمٍ ؟ قَالَ: أَبُو حَازِمٍ"رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ"، قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: يَا أَبَا حَازِمٍ ، فَأَيُّ عِبَادِ اللَّهِ أَكْرَمُ ؟ قَالَ:"أُولُو الْمُرُوءَةِ وَالنُّهَى"، قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: يَا أَبَا حَازِمٍ ، فَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ أَبُو حَازِمٍ:"أَدَاءُ الْفَرَائِضِ مَعَ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ"، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَأَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ ؟ قَالَ أَبُو حَازِمٍ:"دُعَاءُ الْمُحْسَنِ إِلَيْهِ لِلْمُحْسِنِ"، قَالَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ:"لِلسَّائِلِ الْبَائِسِ ، وَجُهْدُ الْمُقِلِّ لَيْسَ فِيهَا مَنٌّ وَلَا أَذًى"، قَالَ: فَأَيُّ الْقَوْلِ أَعْدَلُ ؟ قَالَ:"قَوْلُ الْحَقِّ عِنْدَ مَنْ تَخَافُهُ أَوْ تَرْجُوهُ"، قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ ؟ قَالَ:"رَجُلٌ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَدَلَّ النَّاسَ عَلَيْهَا"، قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَحْمَقُ ؟ قَالَ:"رَجُلٌ انْحَطَّ فِي هَوَى أَخِيهِ وَهُوَ ظَالِمٌ ، فَبَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ"، قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: أَصَبْتَ ، فَمَا تَقُولُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَوَ تُعْفِينِي ؟ قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: لَا ، وَلَكِنْ نَصِيحَةٌ تُلْقِيهَا إِلَيَّ ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ،"إِنَّ آبَاءَكَ قَهَرُوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ ، وَأَخَذُوا هَذَا الْمُلْكَ عَنْوَةً عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا رِضًا لَهُمْ حَتَّى قَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً ، فَقَدِ ارْتَحَلُوا عَنْهَا ، فَلَوْ شْعِرْتَ مَا قَالُوهُ ، وَمَا قِيلَ لَهُمْ ؟"فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ ، قَالَ أَبُو حَاَزِمٍ:"كَذَبْتَ ، إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ
(1) - حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ (4010 ) فيه جهالة