فهرس الكتاب
والقول بأن هذه السورة هى آخر ما نزل بمكة ، أولى من القول بأنها نزلت في المدينة .. ذلك أن نزولها بالمدينة ، وفى أول مقدم الرسول إليها ، فيه مواجهة بالخزي والفضيحة ، والتشنيع ، على هؤلاء القوم الكرام ، الذي استجابوا لدين اللّه ، ورصدوا أنفسهم وأموالهم لنصرته ، وفتحوا مدينتهم ودورهم لإيواء المسلمين الفارّين بدينهم من مشركى قريش .. وإن الذي يتفق وأدب الإسلام وحكمته لعلاج هذا الأمر المنكر ، الذي قيل إنه كان فاشيا في أهل المدينة ـ الذي يتفق مع أدب الإسلام وحكمته أن يعلن رأيه في هذا الأمر ، وحكمه على فاعليه ، بعيدا عن موقع المواجهة ، وأن يرمى به في وجه المشركين قبل أن تنتقل الدعوة من ديارهم ، حتى إذا بلغت سورة المطففين أسماع أهل المدينة ، انخلعوا من هذا المنكر ، واستقبلوا رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه ، وقد طهرت مدينتهم من هذا الخبث.
والخيانة في الكيل والميزان ، ليست كما يبدو في ظاهرها ، أمرا عارضا هينا ، لا يمسّ إلا جانبا من حواشى حياة الجماعة ، ولا يؤثر تأثيرا ذا بال في نظام حياتها .. وكلّا ، فإن هذا الداء ، إذا تفشّى في مجتمع من المجتمعات ، أفسد نظامه كله ، وامتد ظله الأسود الكئيب على حياة المجتمع ، مادياتها ومعنوياتها جميعا .. وحسب أي جماعة ضياعا وهلاكا ، أن تفقد الثقة في معاملاتها ، وأن يكون الاتهام نقدا متبادلا بين أفرادها ، أخذا ، وإعطاء ..
ونتصور هنا جماعة قد شاع في معاملاتها النقد الزائف ، واختلط بالنقد الصحيح .. فهل يجتمع لهذه الجماعة شمل ، أو يستتب فيها نظام ، أو تغشاها سكينة واطمئنان ؟ ..
إن حياة الناس قائمة على التبادل ، والأخذ والعطاء ، فإذا لم يقم ذلك بينهم على ثقة متبادلة بينهم كما يتبادلون كل شىء ، انحلّ عقد نظامهم ، وتقطعت عرا أوثق رابطة تربط بين الناس والناس ، وتجمع بعضهم إلى بعض وهى الثقة.
وفى القرآن الكريم ، إشارة صريحة إلى خطورة التبادل ، القائم بين الناس ـ أخذا وعطاء ، والذي إذا لم يقم على أساس متين من العدل والإحسان ، أتى على كل صالحة في حياة الناس .. وهذا ما نراه في دعوة نبى اللّه شعيب ـ عليه السلام ـ ورسالته في قومه ..
إنها رسالة ، تعالج هذا الداء الذي استشرى في القوم وتطبّ له قبل أي داء آخر ، بعد داء الكفر .. فإنه لا يقوم بناء ، ولا يستنبت خير ، إلا إذا اقتلع هذا الداء ، وطهرت منه الأرض التي يراد استصلاحها ، وغرص البذور الطيبة فيها ..
يقول اللّه سبحانه وتعالى على لسان شعيب إلى قومه: « يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ .. إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ .. وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ » (84: هود) ويقول سبحانه على لسانه أيضا « أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا