الصفحة 322 من 1282

بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ » (181 ـ 183 الشعراء) .

إنها قضية حق وعدل .. فإذا افتقد الحق مكانه في قوم ، وإذا اختلت موازين العدل في أيديهم ، فليأذنوا بتصدع بنيانهم ، وانهيار عمرانهم ، وبوار سعيهم ، وسوء مصيرهم ..

وقوله تعالى: « أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ » ..

هو استفهام إنكارى ، لهذا الأمر المنكر الذي يأتيه المطففون في الكيل والميزان .. إن هؤلاء المطففين لا يظنون أنهم مبعوثون ليوم عظيم ، فيه حساب ، وجزاء .. ولو كانوا يظنون هذا ما اجترءوا على أكل حقوق الناس بالباطل ، ولحجزهم عن ذلك حاجز الخوف من اللّه ، ومن لقائه بهذا المنكر الشنيع ..

وفى التعبير بفعل الظن ، بدلا من فعل الاعتقاد في البعث ، إشارة إلى أن مجرد الظن بأن هناك بعثا ، وحسابا ، وعقابا ـ يكفى في العدول عن هذا المنكر ، وتجنبه ، توقّيا للشر المستطير ، الذي ينجم عنه .. فكيف بمن يعتقد البعث ، ويؤمن به ؟ إنه أشد توقيا للبعث ، ومحاذرة منه ، وإعدادا له .. [1]

تبدأ السورة بالحرب يعلنها الله على المطففين: { ويل للمطففين } . . والويل: الهلاك . وسواء كان المراد هو تقرير أن هذا أمر مقضي ، أو أن هذا دعاء . فهو في الحالين واحد فالدعاء من الله قرار . .

وتفسر الآيتان التاليتان معنى المطففين . فهم: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون . وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون } . . فهم الذين يتقاضون بضاعتهم وافية إذا كانوا شراة . ويعطونها للناس ناقصة إذا كانوا بائعين . .

ثم تعجب الآيات الثلاثة التالية من أمر المطففين ، الذين يتصرفون كأنه ليس هناك حساب على ما يكسبون في الحياة الدنيا؛ وكأن ليس هناك موقف جامع بين يدي الله في يوم عظيم يتم فيه الحساب والجزاء أمام العالمين: { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم؟ يوم يقوم الناس لرب العالمين؟ } . .

والتصدي لشأن المطففين بهذا الأسلوب في سورة مكية أمر يلفت النظر . فالسورة المكية عادة توجه اهتمامها إلى أصول العقيدة الكلية: كتقرير وحدانية الله ، وانطلاق مشيئته ، وهيمنته على الكون والناس . . وكحقيقة الوحي والنبوة . . وكحقيقة الآخرة والحساب والجزاء . مع العناية بتكوين الحاسة الأخلاقية في عمومها ، وربطها بأصول العقيدة . أما التصدي لمسألة بذاتها من

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1487)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت