الصفحة 330 من 1282

جميع أعمالهم ليحاسبوا بها ، فويل للمكذبين بيوم الجزاء ، وما يكذب به إلا كل من تجاوز حدود الدين وانتهك حرماته ، وإذا تليت عليهم آيات القرآن قالوا ما هى إلا أقاصيص الأولين نقلها محمد عن السابقين ، وليست وحيا يوحى كما يدعى. [1]

الويل والهلاك للمكذبين ، الذين يكذبون بيوم الدين ، ومنشأ ذلك هو كثرة الاعتداء وتجاوز الحدود ، وارتكاب الآثام والشرور ولذا يقول اللّه: وما يكذب به إلا كل معتد أثيم ، وتأويل ذلك أن النفس التي اعتادت الظلم والطغيان والبغي والاسترسال في الشرور والآثام يصعب عليها جدا الإذعان لأخبار الآخرة والتصديق بها ، فإن تصديقها - مع هذه الأعمال - حكم صريح عليها بالسفه والجنون ، وهذه النفس تكون جامحة طامحة ، فصاحبها يعللها ، ويهون عليها الأمر بالتغافل والتكذيب بيوم القيامة ، أو التعلق بالأمانى الباطلة. تلك حقائق قرآنية نادى بها العلم الحديث فلذلك إذا تليت آيات القرآن التي تنادى بإثبات البعث على هذه النفس لم يكن منها إلا أن تقول: تلك أساطير الأولين وأكاذيبهم ، حكيت لنا وأثرت عنهم ، ولكنها أحاديث لا حقيقة لها ، ولا تستحق النظر.

« كلا » ليست آيات القرآن أساطير ، وإنما هي الحق لا مراء فيه ، إنما دفعهم إلى هذا وجرأهم عليه أعمالهم السيئة التي مرنوا عليها ودربوا حتى اسودت قلوبهم ، وران عليها الفساد فلم تعد تبصر الخير على أنه خير ، فإن الرين الذي ينشأ عن الذنب كالصدإ على المرآة ، والتوبة تجلوه: ومداومة العمل الفاسد تجعل الفساد ملكة عند الإنسان فيعمل الشر بلا تفكير ولا روية ، وذلك هو الرين أو الطبع أو القفل.

كان الكفار لسوء تفكيرهم ، وغرورهم بأنفسهم يقولون: إن كان محمد صادقا في أن هناك بعثا ، فنحن في المنزلة العليا والدرجة الرفيعة ، وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ « 1 » .

وهنا بين اللّه للكفار الفجار منزلتهم يوم القيامة فقال: إنهم عند ربهم يومها لمحجوبون عن رؤيته ، ولممنوعون عن خيره وبره ، ثم إنهم يومها لداخلون جهنم ، وذائقون حرها وجحيمها ، ثم يقال لهم من قبل الملائكة تأنيبا وتوبيخا: هذا هو العذاب والجزاء الحق الذي كنتم إذا سمعتم خبره تكذبون به وتكفرون ، وها أنتم أولاء قد عاينتموه بأنفسكم بل وذقتم مره! « كلا » ردع لهم عما هم فيه ليعقب بوعد الأبرار كما عقب سابقا بوعيد الفجار ، إن كتاب الأبرار لفي عليين ، نعم كتاب حسناتهم مسجل في ديوان عمل الأبرار.

(1) - تفسير المراغي ، ج 30 ، ص: 75

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت