الصفحة 331 من 1282

فسيجازون على عملهم أحسن الجزاء ، والعرب تصف ما يدل على السرور والسعادة بالعلو والطهارة والفسحة والوجاهة ، كما أن وصف الشيء بالسفل والضيق والظلمة يدل على الحزن والكآبة لذلك كان كتاب الأبرار في عليين ، وكتاب الفجار في سجين [1]

التفسير والبيان:

كَلَّا ، إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ أي ارتدعوا وانزجروا عما أنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب ، فإن الفجار ومنهم المطففون أعمالهم مكتوبة في ديوان الشر وسجل أهل النار وهو السجين ، أو في حبس وضيق شديد ، فكلمة سِجِّينٍ من السجن: وهو الضيق والحبس.

وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ؟ كِتابٌ مَرْقُومٌ أي وما أعلمك أنت ولا قومك ما هو السجين ؟ إنه الكتاب الذي رصدت فيه أسماؤهم ، فهو كتاب مسطور بيّن الكتابة ، جامع لأعمال الشر الصادر من الشياطين والكفرة والفسقة. وهذا السجل المسمى بالسجين هو السجل الكبير أو العظيم ، الذي فيه لكل فاجر صحيفة.

وهذا هو الظاهر في معنى كلمة سِجِّينٍ. وقد عرفنا سابقا أن بعضهم يرى أن السجين هو مكان وهو جهنم وهي أسفل السافلين ، لذا قال محمد بن كعب القرظي: قوله تعالى: كِتابٌ مَرْقُومٌ ليس تفسيرا لقوله: وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ؟ وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين ، أي مرقوم مكتوب مفروغ منه ، لا يزاد فيه أحد ، ولا ينقص منه أحد [2] . وهو رأي النحويين كما تقدم.

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ أي عذاب شديد يوم القيامة لمن كذب بالبعث والجزاء وبما جاء به الرسل ، فهؤلاء المكذبون هم الذين لا يصدقون بوقوع الجزاء ، ولا يعتقدون كونه ، ويستبعدون أمره. وهذا وعيد للذم لا للبيان لأن كل مكذب فالوعيد يتناوله ، سواء كان مكذبا بالبعث أو بسائر آيات اللّه تعالى.

ثم أبان اللّه تعالى صفات من يكذب بيوم الدين وهي ثلاث ، فقال: وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ ، أَثِيمٍ ، إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي لا يكذب بيوم الدين إلا من كان متصفا بهذه الصفات الثلاث:

وهي أولا- كونه معتديا ، أي فاجرا جائرا متجاوزا منهج الحق ، ثانيا- أنه أثيم: وهو المنهمك في الإثم في أفعاله ، من تعاطي الحرام وتجاوز المباح ، وفي أقواله: إن حدّث كذب ، وإن وعد أخلف ، وإن خاصم فجر ، وثالثا- أنه إذا تلي عليه القرآن قال: أساطير الأولين ، أي

(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (3 / 838)

(2) - تفسير ابن كثير: 4/ 485

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت