الصفحة 332 من 1282

أخبار الأولين المتقدمين وأكاذيبهم وأباطيلهم التي زخرفوها ، تلقاها محمد - صلى الله عليه وسلم - من غيره من السابقين ، وهذا يعني في زعمهم أن القرآن ليس وحيا من عند اللّه تعالى.

وهذه الصفة الثالثة تشبه قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ؟ قالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل 16/ 24] وقال سبحانه: وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها ، فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان 25/ 5] قيل: نزل هذا في الوليد بن المغيرة وأبي جهل ونظرائهما.

ثم بيّن اللّه تعالى أسباب افترائهم على القرآن ، فقال: كَلَّا ، بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ أي ارتدعوا وانزجروا عن هذه الأقوال ، فليس الأمر كما زعمتم أيها المعتدون الآثمون ، ولا كما قلتم: إن هذا القرآن أساطير الأولين ، بل هو كلام اللّه ، ووحيه ، وتنزيله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما السبب هو كثرة الذنوب والخطايا التي حجبت قلوبكم عن الإيمان بالقرآن ، والتي كوّنت عليها الرّين الذي منع نفاذ الحق والخير والنور إليها ، فأعماها عن رؤية الحقيقة. والرين: يعتري قلوب الكافرين ، فقوله: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ أي غطى عليها.

أخرج ابن جرير وأحمد والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « إن العبد إذا أذنب ذنبا ، نكتت في قلبه نكتة سوداء ، فإن تاب ونزع واستغفر ، صقل قلبه ، وإن عاد زادت حتى تغلف قلبه ، فذلك الران الذي ذكره اللّه سبحانه في القرآن » .

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ هِنْدٍ الْجَمَلِيِّ ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: الإِيمَانُ يَبْدَأُ نُقْطَةً بَيْضَاءَ فِي الْقَلْبِ ، كُلَّمَا ازْدَادَ الإِيمَانُ ازْدَادَتْ بَيَاضًا حَتَّى يَبْيَضَّ الْقَلْبُ كُلُّهُ ، وَالنِّفَاقُ يَبْدَأُ نُقْطَةً سَوْدَاءَ فِي الْقَلْبِ كُلَّمَا ازْدَادَ النِّفَاقُ ازْدَادَتْ سَوَادًا حَتَّى يَسْوَدَّ الْقَلْبُ كُلُّهُ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ شَقَقْتُمْ ، عَنْ قَلْبِ مُؤْمِنٍ لَوَجَدْتُمُوهُ أَبْيَضَ ، وَلَوْ شَقَقْتُمْ ، عَنْ قَلْبِ مُنَافِقٍ لَوَجَدْتُمُوهُ أَسْوَدَ الْقَلْب"مصنف ابن أبي شيبة [1] "

وقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ يَقُولُ:"قَلْبُ الْمُؤْمِنِ أَبْيَضُ نَقِيٌّ مَجْلِيٌّ مُحَلًّى مِثْلَ الْمِرْآةِ ، فَلَا يَأْتِيهُ الشَّيْطَانُ مِنْ نَاحِيَةٍ مِنَ النَّوَاحِي بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعَاصِي إِلَّا نَظَرَ إِلَيْهِ كَمَا يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ فِي الْمِرْآةِ ، فَإِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، فَإِنْ تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ مُحِيَتِ النُّكْتَةُ مِنْ قَلْبِهِ وَانْجَلَى ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ وَعَاوَدَ أَيْضًا ، وَتَتَابَعَتِ الذُّنُوبُ ، ذَنْبٌ بَعْدَ ذَنْبٍ ، نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ نُكْتَةٌ حَتَّى يَسْوَدَّ الْقَلْبُ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ، قَالَ:"الذَّنْبُ بَعْدَ الذَّنْبِ ، حَتَّى يَسْوَدَّ الْقَلْبُ فِي إِبْطَاءٍ ، مَا نَجَعَ فِي هَذَا الْقَلْبِ الْمَوَاعِظُ ، فَإِنْ تَابَ إِلَى اللَّهِ قَبِلَهُ اللَّهُ وَانْجَلَى عَنْ قَلْبِهِ كَجَلْيِ الْمِرْآةِ"شُعَبُ الْإِيمَانِ لِلْبَيْهَقِيِّ [2] "

والطبع: أن يطبع على القلب ، وهو أشد من الرين.

(1) - مصنف ابن أبي شيبة - (15 / 582) (30957) حسن

(2) - شُعَبُ الْإِيمَانِ لِلْبَيْهَقِيِّ (6952 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت