الصفحة 338 من 1282

وحرمان فوق كل حرمان . ونهاية بائسة لإنسان يستمد إنسانيته من مصدر واحد هو اتصاله بروح ربه الكريم . فإذا حجب عن هذا المصدر فقد خصائصه كإنسان كريم؛ وارتكس إلى درجة يستحق معها الجحيم: { ثم إنهم لصالوا الجحيم } . . ومع الجحيم التأنيب وهو أمرّ من الجحيم: { ثم يقال: هذا الذي كنتم به تكذبون } !! [1]

{ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ } انتهى .

قال ابن القيم في"بدائع الفوائد"في هذه الآية ما مثاله: جمع لهم سبحانه بين العذابين عذاب الحجاب وعذاب النار ، فألم الحجاب يفعل في قلوبهم وأرواحهم نظير ما تفعله النار في أجسامهم ، كحال من حِيل بينه وبين أحب الأشياء إليه في الدنيا ، وأخذ بأشد العذاب ، فإن أخص عذاب الروح أن تتعلق بمحبوب لا غنى لها عنه ، وهي ممنوعة من الوصول إليه ، فكيف إن حصل لها - مع تواري المحبوب عنها وطول احتجابه - بغضه لها ومقته وطرده وغضبه الشديد عليها ؟ فأي نسبة لألم البدن إلى هذا الألم الذي لا يتصوره إلا من بلي به أو بشيء منه ؟ فلو توهمت النفوس ما في احتجاب الله سبحانه عنها يوم لقائه من الألم والحسرة ، لما تعرضت لأسباب ذلك الاحتجاب . وأنت ترى المحبين في الدنيا لصورة ، منتهى حسنها إلى ما يعلم ، كيف يضجّون من ألم احتجاب محبوبهم عنهم وإعراضه وهجره ؟ ويرى أحدهم كالموت أو أشد منه من بين ساعة ، كما قال:

~وكنتُ أرَى كالموت من بَين ليلةٍ فكيف بَبَيْنٍ كَان ميعادَهُ الحشرُ

وإنما يتبينَ الحال في هذا بمعرفة ما خلقت له الروح وما هيئت له وما فطرت عليه ، وما لا سعادة لها ولا نعيم ولا حياة إلا بإدراكه .

فاعلم أن الله سبحانه خلق كل عضو من الأعضاء لغاية ومنفعة ، فكماله ولذته في أن يحصل فيه ما خلق له ، فخلقَ العين للإبصار ، والأذن للسمع ، والأنف للشم ، واللسان للنطق ، واليد للبطش ، والرجل للمشي ، والروح لمعرفته ومحبته والابتهاج بقربه والتنعم بذِكره ، وجعل هذا كمالها وغايتها ، فإذا تعطلت من ذلك كانت أسوأ حالًا من العين والأذن واللسان واليد والرجل التي تعطلت عما خلقت له ، وحيل بينها وبينه . بل لا نسبة لألم هذه الروح إلى ألم تلك الأعضاء المعطلة البتة ، بل ألمها أشد الألم ، وهو من جنس ألمها إذا فقدت أحب الأشياء إليها وأعزه عليها ، وحيل بينها وبينه ، وشاهدت غيرها قد ظفر بوصله وفاز بقربه ورضاه . والروح لا حياة لها ولا نعيم ولا سرور ولا لذة إلا بأن يكون الله وحده هو معبودها وإلهها ومرادها ، الذي لا تقرّ عينها إلا بقربه والأنس به والعكوف بكليتها على محبته والشوق إلى

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3857)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت