فهرس الكتاب
لقائه ، فهذا غاية كمالها وأعظم نعيمها وجنّتها العاجلة في الدنيا ، فإذا كان يوم لقائه كان أعظم نعيمها رفع الحجاب الذي كان يحجبها في الدنيا عن رؤية وجهه وسماع كلامه ، وفي حديث الرؤية: < فوالله ما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى وجهه > .
ثم قال: وكما جمع سبحانه لأعدائه بين هذين العذابين ، وهما ألم الحجاب وألم العذاب ، جمع لمُحبيه بين نوعي النعيم: نعيم القرب والنظر ، ونعيم الأكل والشرب ، والنكاح والتمتع بما في الجنة ، في قوله: { وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا } [ الْإِنْسَاْن: 11 ] الآيات .
{ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ } أي: في الدنيا . قال الإمام: تبكيتًا لهم وزيادة في التنكيل بهم ، فإن اشد شيء على الْإِنْسَاْن ، إذا أصابه مكروه أن يذكر وهو يتألم له: بأن وسائل النجاة من مصابه كانت بين يديه فأهملها ، وأسباب التقصي عنه كانت في مكنته فأغفلها . [1]
ما ترشد إليه الآياتُ
1-إن أعمال الفجار العصاة الكفرة مرصودة في كتاب مسطور بيّن الكتاب ، معلم بعلامة ، ومصيرهم السجن والضيق في جهنم والعذاب المهين..
2-هناك شدة وعذاب أليم يوم القيامة للذين يكذبون بيوم الحساب والجزاء والفصل بين العباد..
3-تقرير عقيدة البعث والجزاء .
4-التحذير من مواصلة الذنوب وعدم التوبة منها حيث يؤدي ذلك بالعبد إلى أن يُحرم التوبة
5-تقرير رؤية الله تعالى في الآخرة ،وإن هؤلاء الكفار المنكرين للبعث المكذبين بالقرآن محجوبون عن رؤية ربهم يوم القيامة ، فلا ينظر إليهم نظرة رحمة ، ولا يرونه ، ثم إنهم يلازمون الجحيم (النار المحرقة) فلا يخرجون منها ، كلما نضجت جلودهم بدلهم اللَّه جلودا غيرها ، وكلما خبت نارها زادهم اللَّه سعيرا ، ويقال لهم من خزنة جهنم: هذا هو العذاب الذي كنتم تكذبون به رسل اللَّه في الدنيا.
6-لا يكذب بهذا اليوم إلا كل معتد على حرمات اللّه ، غارق في الإثم والضلال ..
وإن من كان هذا شأنه من التهالك على المنكر ، ولا ستغراق في الإثم ، هو في سكرة مما هو فيه ، لا يود أن يفيق منها أبدا ، ولا ينتظر لليلة سكره صباحا ، يقطع عنه أضغاث أحلامه ، وهذيان خماره.
إن آفة الذين لا يؤمنون باليوم الآخر ، ليست عن حجة من عقل أو منطق ، وإنما هى كامنة في تلك الشهوات المستبدة بهم ، والمتسلطة عليهم ، والتي من شأنها ـ لكى تضمن وجودها ، وتدافع عن بقائها ـ أن تدفع كل خاطر يزحمها ، أو طارق يتهدد وجودها .. فإذا اتجهت النفس
(1) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 172)