فهرس الكتاب
أعينهم ، أو غمزات بأكتافهم ، وكأنهم أمام مشهد عجيب غريب ، يثير العجب والضحك .. وقوله تعالى: « وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ » وهذا شأنهم بعد أن ينفض مجلسهم الآثم الذي جرحوا فيه المؤمنين بتغامزهم وتلامزهم .. إنهم يعودون من هذا المجلس إلى أهلهم ، وعلى أفواههم طعم هذا المنكر الذي طعموه فيها ، يتشدقون به ويقصّون على أهلهم ما دار على ألسنتهم من فجور ، وما رموا به المؤمنين من هجر القول ، وفجره ، يجعلون ذلك مادة للتندر والتفكه.
والفكه: كثير الفكاهة والمزاح ..
قوله تعالى: «وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ » أي وليس هذا كل ما عند المجرمين من كيد للمؤمنين ، بل إنهم كلما رأوا أحدا من المؤمنين أشاروا إليه كمعلم من معالم الضلال ، وكأنهم يشفقون عليه من هذا الطريق الذي يسير فيه .. فيقول بعضهم لبعض: انظروا إلى هذا المسكين المغرور ، الذي يمنّيه محمد بالجنة ونعيمها!! إنه مسكين .. لقد وقع فريسة لخداع محمد وتمويهه!! وقوله تعالى: « وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ » هو ردّ على هؤلاء المجرمين ، وعلى إنكارهم على المؤمنين ما هم فيه .. إنهم لم يرسلوا عليهم حافظين لهم ، حارسين لما يتهددهم من سوء! وقد كان الأولى بهؤلاء المجرمين الضالين أن ينظروا إلى أنفسهم ، وأن يحفظوها من هذا البلاء الذي اشتمل عليهم .. ولكن هكذا أهل السوء أبدا ، يشغلون عن أنفسهم وعن حراستها من المهالك والمعاثر ، بالبحث عن عيوب الناس ، وتتبع سقطاتهم وزلاتهم ، والتشنيع بها عليهم .. قوله تعالى: « فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ » هو عودة بالمجرمين من موقفهم هذا في الحياة الدنيا ، إلى موقف الحساب والجزاء مرة أخرى ، وإنزالهم منازلهم في جهنم ، حيث تتعالى صر خاتهم ، على حين بنظر إليهم المؤمنون ، ضاحكين منهم ، ساخرين بهم ، كما كانوا هم يسخرون من المؤمنين ويضحكون منهم في الدنيا ..
وقوله تعالى: « عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ » هو بيان للحال التي عليها المؤمنون ، وهم يضحكون من الكفار .. إنهم يضحكون وهم جالسون ، مستريحون على الأرائك ، على حين يتقلب المجرمون على جمر جهنم.
وقوله تعالى: « ينظرون » حال أخرى من أحوال المؤمنين ، وهم يضحكون من الكفار ، حال جلوسهم على الأرائك ، ينظرون ، أي يملئون عيونهم من نعيم الجنة الذي يحفّ بهم ..
وقوله تعالى: «هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ » يجوز أن يكون معمولا لقوله تعالى: « ينظرون » أي ينظر المؤمنون وهم على أرائكهم ليروا هل ثوب الكفار ، أي هل جوزوا بما كانوا يفعلون ؟
وذلك ليتحقق لهم وعيد اللّه في أهل الضلال ، كما تحقق لهم وعده في أهل الإيمان ..