فهرس الكتاب
ويجوز أن يكون هذا كلاما مستأنفا ، يراد به تبكيت الكفار ، وهل جوزوا للجزاء الذي يستحقونه ، أم أن هناك مزيدا من العذاب يريدونه إن كان فوق ما هم فيه مزيد ؟ .. [1]
قال الإمام: الذين أجرموا هم المعتدون الأئمة الذين شَريَتْ نفوسهم في الشر ، وصَمّتْ آذانهم عن سماع دعوة الحق: هؤلاء كانوا يضحكون من الذين آمنوا ؛ ذلك لأنه حين رحم الله هذا العالَم ببعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كبار القوم وعرفاؤهم على رأي الدَّهماء وفي ضلال العامة ، وكانت دعوة الحق خافتة لا يرتفع بها إلا صوته عليه السلام ، ثم يهمس بها بعض من يليه ، ويجيب دعوته من الضعفاء الذين لم تطمس أهواؤهم سبيل الحق إلى قلوبهم فَيُسِرُّ بها إلى من يرجوه ، ولا يستطيع الجهر بها لمن يخافه . ومن شأن القويّ المستعز بالقدرة والكثرة أن يضحك ممن يخالفه في المنزع ويدعوه إلى غير ما يعرفه ، وهو أضعف منه قوة وأقل عددًا ، كذلك كان شأن جماعة من قريش ، كأبي جهل والوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل وأشياعهم ، وهكذا يكون شأن أمثالهم في كل زمان متى عمت البدع ، وتفرقت الشيع وخفي طريق الحق بينَ طرق الباطل ، وجهل معنى الدِّين ، وأزهقت روحه من عباراته وأساليبه ، ولم يبق إلا ظواهر لا تطابقها البواطن ، وحركات أركان لا تشايعها السرائر ، وتحكَّمت الشهوات فلم تبق رغبة تحدو بالناس إلى العمل ، إلا ما تعلق بالطعام والشراب والزينة والرياش والمناصب والألقاب ، وتشبثت الهمم بالمجد الكاذب ، وأحب كل واحد أن يحمد بما لم يفعل ، وذهب الناقص يستكمل ما نقص منه بتنقيص الكامل ، واستوى في ذلك الكبير والصغير ، والأمير والمأمور ، والجاهل والملقب بلقب العالم . إذا صار الناس إلى هذه الحال ، ضعُف صوت الحق وازدرى السامعون منهم بالداعي إليه ، وانطبق عليهم نصُّ الآية الكريمة . انتهى .
{ وَإِذَا مَرُّواْ } أي: الذين آمنوا { بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ } أي: يغمز بعضهم بعضًا استهزاءً وسخريةً . والغمز: الإشارة بالجفن والحاجب .
قال السيوطيّ: وفي هذا دلالة على تحريم السخرية بالمؤمنين ، والضحك منهم ، والتغامز عليهم { وَإِذَا انقَلَبُواْ } أي: هؤلاء المجرمون من مجالسهم { إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ } أي: متلذذين بالسخرية وحكاية ما يعيبون به أهل الإيمان ، أو بما هم فيه من الشرك والطغيان والتنعم بالدنيا . [2]
قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ـ وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ » هو عودة بالمشركين ، المجرمين إلى الحياة الدنيا ، وإلى مكانهم الذي زايلوه فيها ، بعد هذه
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1497)
(2) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 177)