الصفحة 356 من 1282

النّقلة السريعة التي انتقلوا بها إلى الدار الآخرة ، وشهدوا فيها ما أعد لهم هناك من عذاب ونكال ..

وإذ يعود المجرمون إلى مكانهم من دنياهم ، يرون بين أيديهم مشهدا من تلك المشاهد المتكررة التي يعيشون فيها مع أهل الإيمان والإحسان .. إنهم يتخذون من المؤمنين مسرحا للضحك منهم ، والسخرية بهم ، فإذا مرّ بهم المؤمنون تغامزوا ، أي غمز بعضهم بعضا ، بإشارات من أعينهم ، أو غمزات بأكتافهم ، وكأنهم أمام مشهد عجيب غريب ، يثير العجب والضحك ..

وقوله تعالى: «وَ إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ » وهذا شأنهم بعد أن ينفض مجلسهم الآثم الذي جرحوا فيه المؤمنين بتغامزهم وتلامزهم .. إنهم يعودون من هذا المجلس إلى أهلهم ، وعلى أفواههم طعم هذا المنكر الذي طعموه فيها ، يتشدقون به ويقصّون على أهلهم ما دار على ألسنتهم من فجور ، وما رموا به المؤمنين من هجر القول ، وفجره ، يجعلون ذلك مادة للتندر والتفكه.

والفكه: كثير الفكاهة والمزاح ..

قوله تعالى: وَ إِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ » أي وليس هذا كل ما عند المجرمين من كيد للمؤمنين ، بل إنهم كلما رأوا أحدا من المؤمنين أشاروا إليه كمعلم من معالم الضلال ، وكأنهم يشفقون عليه من هذا الطريق الذي يسير فيه .. فيقول بعضهم لبعض: انظروا إلى هذا المسكين المغرور ، الذي يمنّيه محمد بالجنة ونعيمها!! إنه مسكين .. لقد وقع فريسة لخداع محمد وتمويهه!! وقوله تعالى: «وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ » هو ردّ على هؤلاء المجرمين ، وعلى إنكارهم على المؤمنين ما هم فيه .. إنهم لم يرسلوا عليهم حافظين لهم ، حارسين لما يتهددهم من سوء! وقد كان الأولى بهؤلاء المجرمين الضالين أن ينظروا إلى أنفسهم ، وأن يحفظوها من هذا البلاء الذي اشتمل عليهم .. ولكن هكذا أهل السوء أبدا ، يشغلون عن أنفسهم وعن حراستها من المهالك والمعاثر ، بالبحث عن عيوب الناس ، وتتبع سقطاتهم وزلاتهم ، والتشنيع بها عليهم ..

قوله تعالى: «فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ » هو عودة بالمجرمين من موقفهم هذا في الحياة الدنيا ، إلى موقف الحساب والجزاء مرة أخرى ، وإنزالهم منازلهم في جهنم ، حيث تتعالى صر خاتهم ، على حين بنظر إليهم المؤمنون ، ضاحكين منهم ، ساخرين بهم ، كما كانوا هم يسخرون من المؤمنين ويضحكون منهم في الدنيا ..

وقوله تعالى: «عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ » هو بيان للحال التي عليها المؤمنون ، وهم يضحكون من الكفار .. إنهم يضحكون وهم جالسون ، مستريحون على الأرائك ، على حين يتقلب المجرمون على جمر جهنم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت