الصفحة 357 من 1282

وقوله تعالى: « ينظرون » حال أخرى من أحوال المؤمنين ، وهم يضحكون من الكفار ، حال جلوسهم على الأرائك ، ينظرون ، أي يملئون عيونهم من نعيم الجنة الذي يحفّ بهم ..

وقوله تعالى: «هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ » يجوز أن يكون معمولا لقوله تعالى: « ينظرون » أي ينظر المؤمنون وهم على أرائكهم ليروا هل ثوب الكفار ، أي هل جوزوا بما كانوا يفعلون؟

وذلك ليتحقق لهم وعيد اللّه في أهل الضلال ، كما تحقق لهم وعده في أهل الإيمان ..

ويجوز أن يكون هذا كلاما مستأنفا ، يراد به تبكيت الكفار ، وهل جوزوا للجزاء الذي يستحقونه ، أم أن هناك مزيدا من العذاب يريدونه إن كان فوق ما هم فيه مزيد؟ .. [1]

قال الإمام: الذين أجرموا هم المعتدون الأئمة الذين شَريَتْ نفوسهم في الشر ، وصَمّتْ آذانهم عن سماع دعوة الحق: هؤلاء كانوا يضحكون من الذين آمنوا ؛ ذلك لأنه حين رحم الله هذا العالَم ببعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كبار القوم وعرفاؤهم على رأي الدَّهماء وفي ضلال العامة ، وكانت دعوة الحق خافتة لا يرتفع بها إلا صوته عليه السلام ، ثم يهمس بها بعض من يليه ، ويجيب دعوته من الضعفاء الذين لم تطمس أهواؤهم سبيل الحق إلى قلوبهم فَيُسِرُّ بها إلى من يرجوه ، ولا يستطيع الجهر بها لمن يخافه . ومن شأن القويّ المستعز بالقدرة والكثرة أن يضحك ممن يخالفه في المنزع ويدعوه إلى غير ما يعرفه ، وهو أضعف منه قوة وأقل عددًا ، كذلك كان شأن جماعة من قريش ، كأبي جهل والوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل وأشياعهم ، وهكذا يكون شأن أمثالهم في كل زمان متى عمت البدع ، وتفرقت الشيع وخفي طريق الحق بينَ طرق الباطل ، وجهل معنى الدِّين ، وأزهقت روحه من عباراته وأساليبه ، ولم يبق إلا ظواهر لا تطابقها البواطن ، وحركات أركان لا تشايعها السرائر ، وتحكَّمت الشهوات فلم تبق رغبة تحدو بالناس إلى العمل ، إلا ما تعلق بالطعام والشراب والزينة والرياش والمناصب والألقاب ، وتشبثت الهمم بالمجد الكاذب ، وأحب كل واحد أن يحمد بما لم يفعل ، وذهب الناقص يستكمل ما نقص منه بتنقيص الكامل ، واستوى في ذلك الكبير والصغير ، والأمير والمأمور ، والجاهل والملقب بلقب العالم . إذا صار الناس إلى هذه الحال ، ضعُف صوت الحق وازدرى السامعون منهم بالداعي إليه ، وانطبق عليهم نصُّ الآية الكريمة . انتهى . [2]

المشاهد التي يرسمها القرآن لسخرية الذين أجرموا من الذين آمنوا ، سوء أدبهم معهم ، وتطاولهم عليهم ، ووصفهم بأنهم ضالون . . مشاهد منتزعة من واقع البيئة في مكة . ولكنها متكررة في أجيال وفي مواطن شتى . وكثير من المعاصرين شهدوها كأنما هذه الآيات قد نزلت

(1) - التفسير القرآني للقرآن ، ج 16 ، ص: 1498

(2) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 177)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت