(2) فريق الكفرة والعصاة ، وهؤلاء يؤتون كتبهم وراء ظهورهم ، ثم يصلون حر النار لأنهم كانوا فرحين بما يتمتعون به من اللذات والجري وراء الشهوات ، إذ كانوا يظنون أن لا بعث ولا حساب ، ولا ثواب ولا عقاب. [1]
إذا أراد اللّه ذهاب هذا العالم ، وقيام الساعة ، اختل نظام الدنيا ، بأى صورة كانت ، وعلى أى شكل يريده اللّه ، فترى عند ذلك أن السماء تتشقق وتنفطر ، ويعلو الجو غمام وأى غمام ؟ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ عند ذلك ترى أن السماء قد استجابت لأمر ربها وانقادت له ، وحق لها ذلك الامتثال والاستماع لأمره ، وكيف لا يكون ذلك وهي في قبضته وتحت سلطانه. وهو الذي يمسك السماء والأرض أن تزولا ، عند ذلك تكور الشمس ، وتتناثر النجوم والكواكب ، وأما الأرض فلا يمكن أن تبقى على حالها بل نراها قد اندكت جبالها ، واتسعت سهولها وامتد جرمها ، وألقت ما في باطنها من الكنوز والأجساد والعظام البالية ، وتخلت عن كل ذلك ، ولم يبق في باطنها شيء وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ وإذا السماء انشقت ، وإذا الأرض مدت ، وألقت ما في باطنها وتخلت عن كل شيء.
يكون ماذا ؟ يكون ما شاء اللّه مما ذكره في غير موضع من القرآن ، ويقال: إن الجواب محذوف دل عليه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ وكأن المعنى: إذا السماء انشقت ، وإذا الأرض مدت ... إلخ. كان البعث ولاقى الإنسان ربه فوفاه حسابه.
يا أيها الإنسان المجد في سعيه ، النشيط في عمله السريع في تحصيل معاشه وكسبه: أنت تكدح في طلب الدنيا ، حتى استبطأت حركة الزمن ، وكم تمنيت نهاية اليوم أو الشهر أو العام لتحصيل على طلبك ، أيها الإنسان ما أجهلك!! ألم تعلم بأن هذا كله من عمرك ، وأنت تكدح صائرا إلى ربك ، وتجد وأصلا إلى نهايتك وموتك:
يسر المرء ما ذهب الليالى وكان ذهابهن له ذهابا
فأنت تجد في السير إلى ربك فتلاقى عملك هناك أوضح من الشمس فاعمل في دنياك على هذا الأساس.
أيها الإنسان: ستلاقى ربك يوم القيامة ، وستلاقى عملك يوم يقوم الناس للعرض على الملك الجبار يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ وهناك يظهر الحق ، ويعرف كل عمله ، فأما من أوتى كتابه بيمينه ، وهم الصالحون المقربون فسوف يحاسبون حسابا يسيرا سهلا ، ويرجعون إلى إخوانهم من المؤمنين فرحين مسرورين لأنهم لاقوا جزاءهم. وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا وأما من أوتى كتابه بشماله أو من وراء ظهره وهم الكفار الفجار ، فسوف يحاسبون
(1) - تفسير المراغي ، ج 30 ، ص: 89