الصفحة 370 من 1282

حسابا عسيرا ، ويدعون من شدة ما بهم قائلين: ووا ثبوراه ، وا هلاكاه وسيصلون سعيرا ويقاسون حر جهنم الشديد القاسي ، فإيتاء الكتاب باليمين أو بالشمال. أو من وراء الظهر تمثيل وتصوير لحالة المطلع على أعماله المستبشر المبتهج بها ، أو لحالة المبتئس العبوس الحزين بسببها: والعرب تستعير جهة اليمين للخير وجهة اليسار للشر.

وما سبب عذاب هؤلاء ؟ إنه كان في أهله ، أى: في الدنيا فرحا مسرورا فرح بطر أو أشر ، ولما كان فيه من ترف وحب للشهوة ، واستمتاع باللذة ، والذي دفعه إلى هذا كله ظنه أنه لن يرجع إلى ربه للحساب ، فيحسب ما اقترفته يداه ، بل سيرجع إلى ربه فيحاسبه حسابا كاملا ، إن ربه كان به بصيرا ، وعليما خبيرا ، ومقتضى علمه بالمخلوق علما كاملا: أنه لا يتركه سدى ، بل يجازى المحسن على إحسانه ، والمسيء على إساءته إذ مقتضى العلم الكامل بالخلق ، والعدل التام في الحكم أن اللّه لا يترك الخلق بلا حساب وثواب وجزاء ، إذ تركهم لا ينشأ إلا من أحد أمرين: إما لأنه لا يعرف حالهم - وحاشا للّه أن يكون كذلك - وهو الذي خلقهم ، وإما لأنه غير عادل في حكمه وهو مستحيل عليه ، فظهر من هذا حسن وجلال قوله تعالى: بلى - نعم سيرجع إلى ربه للحساب - إن ربه كان به بصيرا. [1]

التفسير والبيان:

يخبر اللَّه تعالى عن أهوال يوم القيامة وأماراتها بقوله: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ أي إذا تشققت السماء وتصدعت مؤذنة بخراب العالم ، وانشقاقها من علامات القيامة ، وأطاعت ربها وانقادت له فيما أمر ، وحق لها أن تطيع أمره وتنقاد وتسمع لأنه العظيم القاهر الذي لا يمانع ولا يغالب ، بل قد قهر كل شيء ، وخضع له كل شي ء.

وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ، وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ أي وإذا الأرض بسطت وسوّيت ووسّعت بزوال جبالها وآكامها. ونسفها حتى صارت قاعا صفصفا.

ولفظت وأخرجت ما فيها من الأموات والكنوز ، وطرحتهم إلى ظهرها ، وخلت خلوا تاما عما فيها ، وتخلت إلى اللَّه وتبرأت من كل من فيها ، ومن أعمالهم.

ونظير الآية: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ ، فَقُلْ: يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا ، فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا ، لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه 20/ 105- 107] .

وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ أي استمعت وأطاعت أوامر ربها ، وحق لها أن تتخلى وتستمع لما يريد ربها أن يأمرها به لأنها واقعة في قبضة القدرة الإلهية.

(1) - التفسير الواضح ، ج 3 ، ص: 844

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت