الصفحة 377 من 1282

الحساب إلى مجموعته المتآلفة بعد الموقف العصيب . رجعته متهللًا فرحًا مسرورًا بالنجاة واللقاء في الجنان!

وهو وضع يقابل وضع المعذب الهالك المأخوذ بعمله السيئ ، الذي يؤتى كتابه وهو كاره: { وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورًا . ويصلي سعيرًا } . .والذي ألفناه في تعبيرات القرآن من قبل هو كتاب اليمين وكتاب الشمال . فهذه صورة جديدة: صورة إعطاء الكتاب من وراء الظهر . وليس يمتنع أن يكون الذي يعطى كتابه بشماله يعطاه كذلك من وراء ظهره . فهي هيئة الكاره المكره الخزيان من المواجهة!

ونحن لا ندري حقيقة الكتاب ولا كيفية إيتائه باليمين أو بالشمال أو من وراء الظهر . إنما تخلص لنا حقيقة النجاة من وراء التعبير الأول؛ وحقيقة الهلاك من وراء التعبير الثاني . وهما الحقيقتان المقصود أن نستيقنهما . وما وراء ذلك من الأشكال إنما يحيي المشهد ويعمق أثره في الحس ، والله أعلم بحقيقة ما يكون كيف تكون!

فهذا التعيس الذي قضى حياته في الأرض كدحًا ، وقطع طريقه إلى ربه كدحًا ولكن في المعصية والإثم والضلال يعرف نهايته ، ويواجه مصيره ، ويدرك أنه العناء الطويل بلا توقف في هذه المرة ولا انتهاء . فيدعو ثبورًا ، وينادي الهلاك لينقذه مما هو مقدم عليه من الشقاء . وحين يدعو الإنسان بالهلاك لينجو به ، يكون في الموقف الذي ليس بعده ما يتقيه . حتى ليصبح الهلاك أقصى أمانيه . وهذا هو المعنى الذي أراده المتنبي وهو يقول:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيًا ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا

فإنما هي التعاسة التي ليس بعدها تعاسة . والشقاء الذي ليس بعده شقاء! . . { ويصلى سعيرًا } . . وهذا هو الذي يدعو الهلاك لينقذه منه . . وهيهات هيهات!

وأمام هذا المشهد التعيس يكر السياق راجعًا إلى ماضي هذا الشقي الذي انتهى به إلى هذا الشقاء . .

{ إنه كان في أهله مسرورًا . إنه ظن أن لن يحور } . .وذلك كان في الدنيا . . نعم كان . . فنحن الآن مع هذا القرآن في يوم الحساب والجزاء وقد خلفنا الأرض وراءنا بعيدًا في الزمان والمكان!

{ إنه كان في أهله مسرورًا } . . غافلًا عما وراء اللحظة الحاضرة؛ لاهيًا عما ينتظره في الدار الآخرة ، لا يحسب لها حسابًا ولا يقدم لها زادًا . . { إنه ظن أن لن يحور } إلى ربه ، ولن يرجع إلى بارئه ، ولو ظن الرجعة في نهاية المطاف لاحتقب بعض الزاد ولادخر شيئًا للحساب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت