الصفحة 403 من 1282

وأصحاب الأخدود ، هم قوم كافرون باللّه ، كان لهم موقف مع المؤمنين باللّه ، شأنهم في هذا شأن كل الكافرين مع المؤمنين في كل زمان ومكان ..

ولكن أصحاب الأخدود هؤلاء ، قد جاءوا بمنكر لم يأته أحد من إخوانهم من أهل الضلال ، ولهذا كانت جريمتهم أشنع جريمة ، يستدعى لها الوجود كله ، ليشهد محاكمتهم ، وليسمع حكم اللّه عليهم.

لقد خدّوا أخاديد في الأرض ، أي حفروا حفرا عميقة في الأرض ، وملئوها حطبا ، وأوقدوا فيها النار ، حتى تسعرت ، وعلا لهيبها ، واشتد ضرامها ، ثم نصبوا كراسى حولها يجلسون عليها ، وجاءوا بالمؤمنين باللّه يرسفون في أغلالهم يعرضونهم على النار واحدا بعد واحد ، ويلقونهم فيها مؤمنا إثر مؤمن ..

والمؤمنون يرون هذا ويقدمون عليه ، دون أن ينال هذا العذاب من إيمانهم ، أو يردهم عن دينهم الذي ارتضوه .. وفى هذا شاهد من شهود الإيمان المتمكن من القلوب ، الراسخ في النفوس .. إنه أقوى من الجبال الراسيات ، لا تنال منها الأعاصير ، ولا تزحزحها عانيات العواصف!

قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَ لَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ » .الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: أي الذين كادوا لهم في دينهم ، وأخذوهم بالبأساء والضراء ليفتنوهم في دينهم ، ويخرجوهم منه.

وهذا وعيد من اللّه سبحانه وتعالى لكل من تعرض لأوليائه المؤمنين والمؤمنات ، بأذى ، يريد أن يصرفهم عن الإيمان ، أو يصدّهم عنه .. فهؤلاء الذين آذوا المؤمنين والمؤمنات بسبب إيمانهم ، إذا لم ينزعوا عما هم فيه ، ولم يرجعوا إلى اللّه مؤمنين تائبين ، فقد أعدّ اللّه لهم عذاب جهنم ، بما فيها من مقامع من حديد ، ومن شدّ إلى السلاسل والأغلال ، ومن حميم يصبّ فوق الرءوس ، ومن غساق يقطع الأمعاء .. ثم لهم فوق ذلك كله عذاب الحريق ، أي عذاب النار ذاتها ، الذي يرعى أجسامهم ، كما ترعى النار الحطب. [1]

{ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ } أي: قتلهم الله وأهلكهم وانتقم منهم . على أن الجملة خبرية هي جواب القسم . أو دليل جوابه أن كانت دعائية ، والتقدير: لتبلون كما ابتلي من قبلكم ، ولينتقمن ممن فتنكم كما انتقم من الذين ألقوا المؤمنين في الأخدود .قال الزمخشري: وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة ، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان ، وإلحاق أنواع الأذى وصبرهم وثباتهم ، حتى يأنسوا بهم ويصبروا

(1) - التفسير القرآني للقرآن ، ج 16 ، ص: 1514

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت