الصفحة 404 من 1282

على ما كانوا يَلقون من قومهم ، ويعلموا أن كفارهم عند الله بمنزلة أولئك المعذبين المحرقين بالنار ، ملعونون أحقاء بأن يقال فيهم: قُتلت قريش ، كما قيل: { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ }

وتفصيل النبأ - على ما في كتاب"الكنز الثمين"- أن دعوة المسيح عليه السلام الأولى العَريَّة عن شوائب الإلحاد ، لمَّا دخلت بلاد اليمن وآمن كثير من أهلها ، كان في مقدمة تلك البلاد بلدة نجران ، وكان أقام عليها ملِك الحبشة أميرًا من قِبَله نصرانيًا مثله ، وكان بها راهب كبير له الكلمة النافذة والأمر المطاع ، ثم إن اليهود الذين كانوا في تلك البلاد تآمروا على طرح نير السلطة المسيحية من اليمن ، والإيقاع بمن تنصر ؛ بغضًا في المسيحية وكراهة لسلطان مسيحي يملكهم ، فأقاموا رجلًا يهوديًا منهم عند موت ذلك السلطان أو قتله ، فأشهر ذلك اليهودي نفسَه ملكًا على بلاد سبأ ، وجاء لمحاربة مدينة نجران ، واستولى عليها بالتغلب والقوة والخيانة ، ولما دخلها قتل عددًا عظيمًا من سكانها رجالًا ونساءً . كانت عدتهم - فيما يقال - ثلاثمائة وأربعين شهيدًا ، وأتى بذاك الراهب محمولًا يحف به الجنود ، وكان هرمًا لا يقوى على المشي ، فسئل عن عقيدته فأقرَّ بالإيمان بالله تعالى وبما جاء به رسوله عيسى عليه السلام ؛ فأمر بسفك دمه فقتل ، وكذلك بقية الشهداء اعترفوا بما اعترف به دون جُبن ولا تهيُّب ، بل بشجاعة وصبر على ما يشاهدونه من أفانين العذاب وأخاديد النيران ، ثم ألقت امرأة بنفسها في النار وتبعها طفل لها في الخامسة من عمره . وكل هؤلاء الشهداء أظهروا من السرور بالتألم من أجله تعالى والفرح بالشهادة ، ما أضحوا مثالًا وعبرة لكل مفتون من أجل إيمانه ومدافعته عن يقينه ، سواء افتتن بماله أو نفسه أو بسلب حق له . لا جرم أن من تلا ما ورد في الوعد الصادق لكل مفتون في الدين ، استبشر بما أعد للمخلصين الصابرين . وتسمى هذه القصة عند النصارى شهادة الحبر أراثا ورفقته . ويؤرخونها بعام: 524 من التاريخ المسيحي ، وقد علمت أن في كلام مجاهد ومن قبله إشارة إليها .والله أعلم . [1]

تبدأ السورة قبل الإشارة إلى حادث الأخدود بهذا القسم: بالسماء ذات البروج ، وهي إما أن تكون أجرام النجوم الهائلة وكأنها بروج السماء الضخمة أي قصورها المبنية ، كما قال: { والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون } وكما قال: { أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها } وإما أن تكون هي المنازل التي تنتقل فيها تلك الأجرام في أثناء دورانها ، وهي مجالاتها التي لا تتعداها في جريانها في السماء . والإشارة إليها يوحي بالضخامة . وهو الظل المراد إلقاؤه في هذا الجو .

{ واليوم الموعود } . . وهو يوم الفصل في أحداث الدنيا ، وتصفية حساب الأرض وما كان فيها . وهو الموعود الذي وعد الله بمجيئه ، ووعد بالحساب والجزاء فيه؛ وأمهل المتخاصمين

(1) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 185)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت