فهرس الكتاب
والمتقاضين إليه . وهو اليوم العظيم الذي تتطلع إليه الخلائق ، وتترقبه لترى كيف تصير الأمور .
{ وشاهد ومشهود } . . في ذلك اليوم الذي تعرض فيه الأعمال ، وتعرض فيه الخلائق ، فتصبح كلها مشهودة ، ويصبح الجميع شاهدين . . ويعلم كل شيء . ويظهر مكشوفًا لا يستره ساتر عن القلوب والعيون . .
وتلتقي السماء ذات البروج ، واليوم الموعود ، وشاهد ومشهود . . تلتقي جميعًا في إلقاء ظلال الاهتمام والاحتفال والاحتشاد والضخامة على الجو الذي يعرض فيه بعد ذلك حادث الأخدود . . كما توحي بالمجال الواسع الشامل الذي يوضع فيه هذا الحادث . وتوزن فيه حقيقته ويصفى فيه حسابه . . وهو أكبر من مجال الأرض ، وأبعد من مدى الحياة الدنيا وأجلها المحدود . .
وبعد رسم هذا الجو ، وفتح هذا المجال ، تجيء الإشارة إلى الحادث في لمسات قلائل: { قتل أصحاب الأخدود . النار ذات الوقود . إذ هم عليها قعود . وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود . وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد . الذي له ملك السماوات والأرض ، والله على كل شيء شهيد } ..
وتبدأ الإشارة إلى الحادث بإعلان النقمة على أصحاب الأخدود: { قتل أصحاب الأخدود } . . وهي كلمة تدل على الغضب . غضب الله على الفعلة وفاعليها . كما تدل على شناعة الذنب الذي يثير غضب الحليم ، ونقمته ، ووعيده بالقتل لفاعليه .
ثم يجيء تفسير الأخدود: { النار ذات الوقود } والأخدود: الشق في الأرض . وكان أصحابه قد شقوه وأوقدوا فيه النار حتى ملأوه نارًا ، فصارت النار بدلًا في التعبير من الأخدود للإيحاء بتلهب النار فيه كله وتوقدها .
قتل أصحاب الأخدود ، واستحقوا هذه النقمة وهذا الغضب ، في الحالة التي كانوا عليها وهم يرتكبون ذلك الإثم ، ويزاولون تلك الجريمة: { إذ هم عليها قعود . وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } . . وهو تعبير يصور موقفهم ومشهدهم ، وهم يوقدون النار ، ويلقون بالمؤمنين والمؤمنات فيها وهم قعود على النار ، قريبون من عملية التعذيب البشعة ، يشاهدون أطوار التعذيب ، وفعل النار في الأجسام في لذة وسعار ، كأنما يثبتون في حسهم هذا المشهد البشع الشنيع!
وما كان للمؤمنين من ذنب عندهم ولا ثأر: { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد . الذي له ملك السماوات والأرض . والله على كل شيء شهيد } . . فهذه جريمتهم أنهم آمنوا بالله ، العزيز: القادر على ما يريد ، الحميد: المستحق للحمد في كل حال ، والمحمود بذاته