فهرس الكتاب
ويتمثل رضى الله وإنعامه على الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار } . . وهذه هي النجاة الحقيقية: { ذلك الفوز الكبير } . . والفوز: النجاة والنجاح . والنجاة من عذاب الآخرة فوز . فكيف بالجنات تجري من تحتها الأنهار؟
بهذه الخاتمة يستقر الأمر في نصابه . وهي الخاتمة الحقيقية للموقف . فلم يكن ما وقع منه في الأرض إلا طرفًا من أطرافه ، لا يتم به تمامه . . وهذه هي الحقيقة التي يهدف إليها هذا التعقيب الأول على الحادث لتستقر في قلوب القلة المؤمنة في مكة ، وفي قلوب كل فئة مؤمنة تتعرض للفتنة على مدار القرون . [1]
ما ترشد إليه الآياتُ
1-إن الذين حرّقوا المؤمنين بالنار ، من أصحاب الأخدود وغيرهم ، ثم ماتوا على الكفر ، ولم يتوبوا من قبيح صنيعهم ، فلهم في الآخرة عذاب جهنم المخزي لكفرهم ، ولهم العذاب المحرق لإحراقهم المؤمنين بالنار. وعذاب جهنم وعذاب الحريق إما متلازمان ، والغرض من الثاني التأكيد ، وإما مختلفان في الدركة: الأول لكفرهم ، والثاني لأنهم فتنوا أهل الإيمان. وقيل: الأول في الآخرة ، والثاني في الدنيا ، أو أن الأول عذاب ببرد جهنم وزمهريرها ، والثاني عذاب بحرّها.
وفي هذا تصريح بأن التوبة تسقط أثر الذنب وترفع العقوبة ، واللَّه يرغب دائما بها..
2-إن الذين آمنوا أي صدقوا باللَّه وبرسله ، وعملوا الصالحات المأمور بها وتركوا المنهي عنها ، لهم جنات (أي بساتين) تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار من ماء غير آسن ، ومن لبن لم يتغير طعمه ، ومن خمر لذّة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى ، وذلك الفوز الساحق العظيم الذي لا فوز يشبهه.
وإنما قال تعالى: ذلِكَ الْفَوْزُ ولم يقل « تلك » لأن ذلِكَ إشارة إلى إخبار اللَّه تعالى بحصول هذه الجنات ، وقوله « تلك » إشارة إلى الجنات ، وإخبار اللَّه تعالى عن ذلك يدل على كونه راضيا ، والْفَوْزُ الْكَبِيرُ: هو رضا اللَّه ، لا حصول الجنة ، فاللهم أرضنا وارض عنا يا كريم.
3-فائدة القصص هي الموعظة تحصل للعبد فلا يترك واجبًا ولا يغشى محرما .
4-وقصة أصحاب الأخدود ، ولا سيما آية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ .. تدل على أن المستكره على الكفر بالإهلاك الشديد ، الأولى به أن يصبر على ما خوف منه ، وأن إظهار كلمة الكفر كالرخصة في ذلك ، فعَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ مُسَيْلِمَةَ أَخَذُوا رَجُلَيْنِ مِنَ
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3874)