الصفحة 422 من 1282

(2) الجيوش الجرارة والأساطيل العظيمة التي توقع بأعدائه وتنكل بهم ، وبذلك يهاب جانبه ، وإليهما معا أشار بقوله فيما سلف: « الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ » وهنا زاد الأمر إيضاحا بقوله « إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ » الآية. [1]

هل بلغك قصص أولئك الجنود ، أصحاب القوة والبأس الشديد ، مثل فرعون وجنوده وقبيلة عاد وثمود ، وكانوا أكثر منكم أموالا وأولادا ، فلما كذبوا بالرسل وكفروا بالبعث ، وآذوا رسلهم ، أخذهم ربك أخذ عزيز مقتدر ، أخذهم ربك بظلمهم وما ربك بظلام للعبيد.

لو نظر العاقل في تلك الآيات يسوقها الحق للاعتبار والاتعاظ لاهتدى إلى سنة اللّه في خلقه ، وأنها لا تتحول ولا تتغير ، ولكن كفار مكة لم يكن فيهم شيء من ذلك بل كانوا في كفر وتكذيب ، وكأن الكفر والتكذيب إطار وهم داخلون فيه لا يتجاوزونه.

واللّه من ورائهم محيط ، وهو على كل شيء قدير ، فهم لا يعجزونه في الأرض ولا في السماء.

وهل لهؤلاء عذر في تكذيبهم وعدم إيمانهم ؟ لا. بل هو قرآن مجيد: قرآن كريم ، قد رفع اللّه قدره ، وشرف مكانته ، وجعله كاملا في كل شيء ، وهو في لوح محفوظ ، ولذلك هم في ضلال ولا عذر لهم.

ويقول الشيخ محمد عبده - رحمه اللّه - في تفسيره: واللوح المحفوظ شيء أخبر اللّه به وأنه أودعه كتابه ، ولم يعرفنا حقيقته ، فعلينا أن نؤمن بأنه شيء موجود ، وأن اللّه قد حفظ فيه كتابه إيمانا بالغيب. [2]

التفسير والبيان:

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ أي إن جزاء ربك وانتقامه من الجبابرة والظلمة ، ومن أعدائه الذين كذبوا رسله ، وخالفوا أمره ، لشديد عظيم قوي ، مضاعف إذا أراد ، فإنه تعالى ذو القوة المتين ، الذي ما شاء كان ، ويكون ما يريد مثل لمح البصر أو هو أقرب. وفي هذا تأكيد للوعيد ، وإرهاب لكفار قريش وأمثالهم.

ثم زاد الأمر تأكيدا بقوله: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ أي إنه تعالى تام القدرة ، فهو الذي يبدأ الخلق ويخلقهم أولا في الدنيا ، ثم يعيدهم أحياء بعد الموت. أو هو الذي يبدأ البطش ويعيده ، أي يبطش بالجبابرة في الدنيا والآخرة. وفيه وعيد للكفرة بأنه يعيدهم ليبطش بهم إذ كفروا بنعمة الإبداء إبداء الخلق ، وكذبوا بالإعادة.

ثم أكّد اللَّه تعالى الوعد بإيراد خمس صفات لجلاله وكبريائه وهي:

(1) - تفسير المراغي ، ج 30 ، ص: 105

(2) - التفسير الواضح ، ج 3 ، ص: 849

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت