فهرس الكتاب
فهذا طرف من فعله لما يريد . يناسب الحادث ويناسب ما سيأتي من حديث فرعون وثمود . وتبقى حقيقة الإرادة الطليقة والقدرة المطلقة وراء الأحداث ووراء الحياة والكون تفعل فعلها في الوجود .
فعال لما يريد . . وهاك نموذجًا من فعله لما يريد: { هل أتاك حديث الجنود: فرعون وثمود؟ } . وهي إشارة إلى قصتين طويلتين ، ارتكانًا إلى المعلوم من أمرهما للمخاطبين ، بعدما ورد ذكرهما كثيرًا في القرآن الكريم . ويسميهم الجنود . إشارة إلى قوتهم واستعدادهم . . هل أتاك حديثهم؟ وكيف فعل ربك بهم ما يريد؟
وهما حديثان مختلفان في طبعتهما وفي نتائجهما . . فأما حديث فرعون ، فقد أهلكه الله وجنده ونجى بني إسرائيل ، ومكن لهم في الأرض فترة ، ليحقق بهم قدرًا من قدره ، وإرادة من إرادته .
وأما حديث ثمود فقد أهلكهم الله عن بكرة أبيهم وأنجى صالحًا والقلة معه حيث لم يكن بعد ذلك ملك ولا تمكين . إنما هي مجرد النجاة من القوم الفاسقين .
وهما نموذجان لفعل الإرادة ، وتوجه المشيئة . وصورتان من صور الدعوة إلى الله واحتمالاتها المتوقعة ، إلى جانب الاحتمال الثالث الذي وقع في حادث الأخدود . . وكلها يعرضها القرآن للقلة المؤمنة في مكة ، ولكل جيل من أجيال المؤمنين . .
وفي الختام يجيء إيقاعان قويان جازمان . في كل منهما تقرير ، وكلمة فصل وحكم أخير:
{ بل الذين كفروا في تكذيب ، والله من ورائهم محيط } . .فشأن الكفار وحقيقة حالهم أنهم في تكذيب يمسون به ويصبحون . { والله من ورائهم محيط } . . وهم غافلون عما يحيط بهم من قهر الله وعلمه . فهم أضعف من الفيران المحصورة في الطوفان العميم!
{ بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } . .والمجيد الرفيع الكريم العريق . . وهل أمجد وأرفع وأعرق من قول الله العظيم؟ وهو في لوح محفوظ . لا ندرك نحن طبيعته ، لأنه من أمر الغيب الذي تفرد الله بعلمه . إنما ننتفع نحن بالظل الذي يلقيه التعبير ، والإيحاء الذي يتركه في القلوب . وهو أن هذا القرآن مصون ثابت ، قوله هو المرجع الأخير ، في كل ما يتناوله من الأمور . يذهب كل قول ، وقوله هو المرعي المحفوظ . .
ولقد قال القرآن قوله في حادث الأخدود ، وفي الحقيقة التي وراءه . . وهو القول الأخير . [1]
ما ترشد إليه الآياتُ
(1) - في ظلال القرآن - (8 / 5)