الصفحة 442 من 1282

واللّه - جل شأنه - يقسم على أن كل نفس من النفوس عليها رقيب وحفيظ ، وليست في النفوس نفس تترك هملا بلا حساب ولا رقابة ، ومن هو الحفيظ ؟ هو اللّه فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وقيل: هو الملك الموكل بالإنسان.

فإذا كنت في شك من ذلك فلينظر الإنسان إلى نفسه وكيف خلق ؟ !

إنه خلق من ماء دافق: ماء مصبوب ، يخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة ، وهذا الماء السائل كيف يتكون منه خلق سوى ؟ وإنسان كامل في كل شي ء!

لا يعقل أن يكون ذلك بمحض الصدفة أو بفعل الطبيعة ، وإلا لكانت كل الخلائق سواء.

هذا الخلق بهذا الشكل ، وعلى تلك الصورة دليل على أن لكل نفس رقيبا وحفيظا يراقب ذلك كله ويدبره ، وينقله من حال إلى حال ، ولا يعقل أن تترك تلك النفوس سدى بلا ثواب أو عقاب ، الإنسان خلق من ماء دافق خارج من صلب الرجل وترائب المرأة وهذا الماء من الدم ، والدم من الغذاء ، والغذاء من النبات ، ثم هذا الماء لا يصلح إلا إذا كان الأب مع الأم على وضع خاص. فمن الذي جمع كل هذا ؟ أظن أن القادر على ذلك قادر على إرجاع الإنسان وإحيائه يوم تكشف السرائر ، وتظهر مكنونات الضمائر ، والإنسان عند ذلك ما له من قوة يدفع بها العذاب أو يجلب بها الثواب ، وليس له ولى ولا ناصر. [1]

التفسير والبيان:

وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ، وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ ؟ النَّجْمُ الثَّاقِبُ أي قسما بالسماء البديعة ، والكوكب النير البادي ليلا ، وما أعلمك ما حقيقته ؟ إنه النجم المضيء الشديد الإضاءة ، كأنه يخرق بشدة ضوئه ظلمة الليل البهيم.

والحلف بالسماء والكواكب والشمس والقمر والليل والنهار التي أكثر اللَّه تعالى في كتابه الحلف بها لأن أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها ومغاربها عجيبة ، وفيها دلالة على أن لها خالقا مدبرا ينظم أمرها. وقوله: وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ ؟ يراد به التهويل والتفخيم ، كأن هذا النجم البعيد في آفاق السموات لا يمكن لبشر إدراكه ومعرفة حقيقته ، قال سفيان بن عيينة: كل شيء في القرآن: ما أَدْراكَ فقد أخبر اللَّه الرسول به ، وكل شيء فيه ما يُدْرِيكَ لم يخبره به ، كقوله: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى 42/ 17] .

والطارق: اسم جنس ، وسمي طارقا لأنه يطرق بالليل ، ويخفى بالنهار ، وكل ما أتاك ليلا فهو طارق.

(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (3 / 851)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت