للظلام ، النافذة من هذا الحجاب الذي يستر الأشياء . ويكون لهذه الإشارة إيحاؤها حول حقائق السورة وحول مشاهدها الأخرى . . كما سيأتي . .
يقسم بالسماء ونجمها الثاقب: أن كل نفس عليها من أمر الله رقيب: { إن كل نفس لما عليها حافظ } . . وفي التعبير بصيغته هذه معنى التوكيد الشديد . . ما من نفس إلا عليها حافظ . يراقبها ، ويحصى عليها ، ويحفظ عنها ، وهو موكل بها بأمر الله . ويعين النفس لأنها مستودع الأسرار والأفكار . وهي التي يناط بها العمل والجزاء .
ليست هنالك فوضى إذن ولا هيصة! والناس ليسوا مطلقين في الأرض هكذا بلا حارس . ولا مهملين في شعابها بلا حافظ ، ولا متروكين يفعلون كيف شاءوا بلا رقيب . إنما هو الإحصاء الدقيق المباشر ، والحساب المبني على هذا الإحصاء الدقيق المباشر .
ويلقي النص إيحاءه الرهيب حيث تحس النفس أنها ليست أبدًا في خلوة وإن خلت فهناك الحافظ الرقيب عليها حين تنفرد من كل رقيب ، وتتخفى عن كل عين ، وتأمن من كل طارق . هنالك الحافظ الذي يشق كل غطاء وينفذ إلى كل مستور . كما يطرق النجم الثاقب حجاب الليل الساتر . . وصنعة الله واحدة متناسقة في الأنفس وفي الآفاق .
ويخلص من هذه اللمسة التي تصل النفس بالكون ، إلى لمسة أخرى تؤكد التقدير والتدبير ، التي أقسم عليها بالسماء والطارق . فهذه نشأة الإنسان الأولى تدل على هذه الحقيقة؛ وتوحي بأن الإنسان ليس متروكًا سدى ، ولا مهملًا ضياعًا: { فلينظر الإنسان ممّ خلق . خلق من ماء دافق ، يخرج من بين الصلب والترائب } . .
فلينظر الإنسان من أي شيء خلق وإلى أي شيء صار . . إنه خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب ، خلق من هذا الماء الذي يجتمع من صلب الرجل وهو عظام ظهره الفقارية ومن ترائب المرأة وهي عظام صدرها العلوية . . ولقد كان هذا سرًا مكنونًا في علم الله لا يعلمه البشر . حتى كان نصف القرن الأخير حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة بطريقته؛ وعرف أنه في عظام الظهر الفقارية يتكون ماء الرجل ، وفي عظام الصدر العلوية يتكون ماء المرأة . حيث يلتقيان في قرار مكين فينشأ منهما الإنسان!
والمسافة الهائلة بين المنشأ والمصير . . بين الماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب وبين الإنسان المدرك العاقل المعقد التركيب العضوي والعصبي والعقلي والنفسي . . هذه المسافة الهائلة التي يعبرها الماء الدافق إلى الإنسان الناطق توحي بأن هنالك يدًا خارج ذات الإنسان هي التي تدفع بهذا الشيء المائع الذي لا قوام له ولا إرادة ولا قدرة ، في طريق الرحلة الطويلة العجيبة الهائلة ، حتى تنتهي به إلى هذه النهاية الماثلة . وتشي بأن هنالك حافظًا من أمر الله يرعى هذه النطفة المجردة من الشكل والعقل ، ومن الإرادة والقدرة ، في رحلتها