يحرس الناس من الآفات وأوردوا للتدليل على ذلك آية سورة الرعد هذه: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ .
القول الأخير غريب فيما هو المتبادر. وروح السياق يلهم أن المقصود هو إيذان السامعين بأن أعمالهم محصاة عليهم لمحاسبتهم عليها في الآخرة. [1]
وقوله تعالى: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ » .. هو جواب القسم ..أي ما كل نفس إلّا عليها حافظ ، أي حارس أمين ، ضابط لكل ما تعمل من خير أو شر ، أو أن كل نفس يقوم عليها من كيانها ما يحفظ عليها وجودها ، وذلك بما أودع الخالق جل وعلا فيها ، من قوى مادية ومعنوية ، تجعل منها جميعا أسلحة عاملة ، تحمى الإنسان ، وتدفع عنه ما يعترض طريقه على مسيرة الحياة ، وإن أظهر حافظ يحفظ الإنسان هو عقله ، الذي يميز به الخير من الشر ، والخبيث من الطيب ، ولعلّ هذا أقرب إلى الصواب ، إذ جاءت بعد هذه الآية دعوة للإنسان إلى أن يستعمل عقله ، وينظر في أصل خلقه ، ومادة وجوده ..
قوله تعالى: «إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ » .أي أن اللّه سبحانه الذي خلق هذا الإنسان من هذا الماء الدافق ، قادر على أن يرجعه إلى الحياة بعد الموت ، ويخلقه خلقا آخر ، كما خلقه أول مرة .. فهذا الماء لا يختلف ـ في تقدير الإنسان ـ عن هذا التراب الذي الذي يبعث منه الإنسان بعد موته .. كلاهما شى ء بعيد عن صورة الإنسان .. فما أبعد ما بين الإنسان ، وبين الماء ، أو التراب! [2]
{ فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ } أي: من قوة يمتنع من عذاب الله وأليم نكاله . ولا ناصر ينصرهُ فيستنقذه ممن ناله بمكروه ، يعني أنه فقد ما كان يعهدهُ في الدنيا إذ يرجع إلى قوة بنفسه أو بعشيرته ، يمتنع منهم ممن أرادهُ بسوء . وناصر حليف ينصره على من ظلمه واضطهده . ولم يبق له إلا انتظار الجزاء على ما قدم . [3]
هذا القسم يتضمن مشهدًا كونيًا وحقيقة إيمانية . وهو يبدأ بذكر السماء والطارق ويثني بالاستفهام المعهود في التعبير القرآني: { وما أدراك ما الطارق؟ } . . وكأنه أمر وراء الإدراك والعلم . ثم يحدده ويبينه بشكله وصورته: { النجم الثاقب } الذي يثقب الظلام بشعاعه النافذ . وهذا الوصف ينطبق على جنس النجم . ولا سبيل إلى تحديد نجم بذاته من هذا النص ، ولا ضرورة لهذا التحديد . بل إن الإطلاق أولى . ليكون المعنى: والسماء ونجومها الثاقبة
(1) - التفسير الحديث ، ج 2 ، ص: 269
(2) - التفسير القرآني للقرآن للخطيب - (3 / 5)
(3) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 196)