ويرجعه يوم القيامة يوم تختبر وتعرف السرائر ، أي ما يسرّ في القلوب من العقائد والنيات وغيرها. وحقيقة البلاء في حقه تعالى ترجع إلى الكشف والإظهار ، كقوله: وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [محمد 47/ 31] .
وكيفية دلالة المبدأ على المعاد: أن حدوث الإنسان إنما كان بسبب اجتماع أجزاء كانت متفرقة في بدن الوالدين ، فلما قدر الصانع على جمع تلك الأجزاء المتفرقة حتى خلق منها إنسانا سويا ، فإنه بعد موته وتفرق أجزائه ، لا بدّ وأن يقدر على جمع تلك الأجزاء ، وجعلها خلقا سويا « [1] .
فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ أي فما للإنسان حين بعثه من قوة في نفسه يمتنع بها عن عذاب اللَّه ، ولا ناصر ينصره ، فينقذه مما نزل به ، أي فلا قوة ذاتية له ، ولا قوة من غيره ، لينقذ نفسه من عذاب اللَّه ، فهذا نفي للقوة الذاتية والقوة العرضية الخارجية عن الإنسان.
ومضات:
في الآيات الأربع الأولى قسم بالسماء والنجم الثاقب الطارق بالليل ذي الخطورة بين النجوم بأن كل نفس عليها رقيب وحافظ يحصيان عملها ويرقبانه.
وفي الآيات الأربع التالية تدليل على قدرة اللّه تعالى على بعث الإنسان لمحاسبته على عمله. فاللّه الذي خلقه من ماء يندفق من بين الصلب والترائب قادر على إعادة خلقه. وجملة فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ قد تفيد أن ما ذكر مما كان يعرفه السامعون ويتصورونه. وبذلك تستحكم الحجة عليهم. أما الآيتان الأخيرتان فقد احتوتا خبر ما يكون من أمر الإنسان يوم البعث. ففي ذلك اليوم تظهر أعمال الناس وتنكشف سرائرهم ويواجهون اللّه عزّ وجلّ منفردين لا قوة تدفع عنهم ولا ناصر ينصرهم.
وقد انطوى في الآيتين الأخيرتين أن الناس ليس لهم في الآخرة إلّا أعمالهم المحصاة فمن كانت أعماله صالحة نجا ومن كانت أعماله سيئة هلك. وقد تضمنتا نتيجة لذلك إنذارا للسامعين ليتقوا هول ذلك اليوم بالاستجابة إلى دعوة اللّه والإيمان به وعمل الأعمال الصالحة واجتناب الأعمال السيئة.
ولقد تعددت الأقوال في المقصود من كلمة حافِظٌ فقيل إنه اللّه عزّ وجلّ الذي هو الرقيب على كل نفس المحصي عليها عملها وأوردوا للتدليل على ذلك آية سورة الأحزاب هذه: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52) وقيل إنه الملك الموكل بإحصاء أعمال الناس . وقيل إنه حافظ
(1) - تفسير الرازي: 31/ 130