فهرس الكتاب
إن هذا الافتتاح ، بهذا المطلع الرخي المديد ، ليطلق في الجو ابتداء أصداء التسبيح ، إلى جانب معنى التسبيح . وإن هذه الصفات التي تلي الأمر بالتسبيح: { الأعلى الذي خلق فسوى . والذي قدر فهدى . والذي أخرج المرعى . فجعله غثاء أحوى } . . لتحيل الوجود كله معبدًا يتجاوب جنباته بتلك الأصداء؛ ومعرضًا تتجلى فيه آثار الصانع المبدع: { الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى } . .
والتسبيح هو التمجيد والتنزيه واستحضار معاني الصفات الحسنى لله ، والحياة بين إشعاعاتها وفيوضاتها وإشراقاتها ومذاقاتها الوجدانية بالقلب والشعور . وليست هي مجرد ترديد لفظ: سبحان الله! . . و { سبح اسم ربك الأعلى } . . تطلق في الوجدان معنى وحالة يصعب تحديدها باللفظ ، ولكنها تتذوق بالوجدان . وتوحي بالحياة مع الإشراقات المنبثقة من استحضار معاني الصفات .
والصفة الأولى القريبة في هذا النص هي صفة الرب . وصفة الأعلى . . والرب: المربي والراعي ، وظلال هذه الصفة الحانية مما يتناسق مع جو السورة وبشرياتها وإيقاعاتها الرخية . . وصفة الأعلى تطلق التطلع إلى الآفاق التي لا تتناهى؛ وتطلق الروح لتسبح وتسبح إلى غير مدى . . وتتناسق مع التمجيد والتنزيه ، وهو في صميمه الشعور بصفة الأعلى . .
والخطاب هنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابتداء . وهذا الأمر صادر إليه من ربه . بهذه الصيغة: { سبح اسم ربك الأعلى } . . وفيه من التلطف والإيناس ما يجل عن التعبير . وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذا الأمر ، ثم يعقب عليه بالاستجابة المباشرة ، قبل أن يمضي في آيات السورة ، يقول: { سبحان ربي الأعلى } . . فهو خطاب ورده . وأمر وطاعته . وإيناس ومجاوبته . . إنه في حضرة ربه ، يتلقى مباشرة ويستجيب . في أنس وفي اتصال قريب . وحينما نزلت هذه الآية قال: « اجعلوها في سجودكم » وحينما نزلت قبلها: { فسبح باسم ربك العظيم } قال: « اجعلوها في ركوعكم » . فهذا التسبيح في الركوع والسجود كلمة حية ألحقت بالصلاة وهي دافئة بالحياة . لتكون استجابه مباشرة لأمر مباشر . أو بتعبير أدق . . لإذن مباشر . . فإذن الله لعباده بأن يحمدوه ويسبحوه إحدى نعمه عليهم وأفضاله . إنه إذن بالاتصال به سبحانه في صورة مقربة إلى مدارك البشر المحدودة . صورة تفضل الله عليهم بها ليعرفهم ذاته . في صفاته . في الحدود التي يملكون أن يتطلعوا إليها . وكل إذن للعباد بالاتصال بالله في أي صورة من صور الاتصال ، هو مكرمة له وفضل على العباد .
{ سبح اسم ربك الأعلى } . . { الذي خلق فسوى . والذي قدر فهدى } . .الذي خلق كل شيء فسواه ، فأكمل صنعته ، وبلغ به غاية الكمال الذي يناسبه . . والذي قدر لكل مخلوق وظيفته