الصفحة 472 من 1282

وقوله تعالى: « إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ ما يَخْفى » هو تأكيد لهذا الوعد مع الاستثناء ، وأن اللّه سبحانه ، الذي وعد النبىّ بألا ينسى ما يحفظ ، هو عالم الجهر والسر ، وهو سبحانه الذي يملك خطرات النفوس ، وخلجات الصدور ، فيتصرف فيها كيف يشاء ..

وقوله تعالى: «وَ نُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى » .. أي واللّه سبحانه وتعالى لا يشقّ عليك أيها النبىّ ، ولا يكلفك ما لا تطيق ، فهو ميسر لك أمرك جميعه ، ومن أولى دلائل اليسر أنه أعانك على حفظ القرآن وتثبيته في صدرك ، فلا يذهب شى ء منه .. ومن تيسيره عليك أنه جعل الشريعة التي أنت داع إليها وقائم بها شريعة يسر وسماحة ، لا حرج فيها ، ولا إعنات ، كما يقول سبحانه: « وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » .. (78: الحج) قوله تعالى: «فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى » ..أي وبهذه الشريعة السمحاء ادع الناس إليها ، وذكّر بها ، ووجه القلوب والعقول إلى اللّه بها ..

وقوله تعالى: « إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى » ـ إشارة إلى أن يذكّر النبىّ ما وجد للذكرى نفعا ، والذكرى لا تخلو من نفع أبدا ، فإنها إذا لم تجد في الناس من يستجيب لها ، وينتفع بها ، فإنها واجدة فيهم أيضا من يستجيب وينتفع ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ » (55: الذاريات) .

وهذا يعنى أن النبىّ - صلى الله عليه وسلم - لا يتخلّى عن مهمة التذكير أبدا ..

فقيد الأمر بالتذكير ، بنفع الذكرى قيد لازم ، ومن لزوم هذا القيد أن يكون النبىّ مذكّرا بدعوته دائما ، لأن مع كل ذكرى نفعا ، وما دام النفع معها ، فهى مطلوبة من النبىّ أبدا ، وهو مذكر أبدا ..

وقد اضطرب المفسرون في تأويل هذه الآية ، وفى تأويل القيد الوارد عليها في هذا الشرط: « إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى » ، وبدا لهم من ذلك أن النبىّ لا يذكّر إلا في حال يكون فيها للذكرى نفع ، فإن لم يكن فيها نفع ، فلا تذكير!! والنبىّ مطلوب منه أن يذكّر دائما نفعت الذكرى أو لم تنفع .. فكيف يتفق هذا الدوام ، مع هذا القيد ، وهو التذكير في حال النفع وحده؟

وقد ذهب المفسرون مذاهب شتى في حل هذا الإشكال ، وخرجوه على وجوه قلّبت فيها مذاهب النحو ، واللغة ، على جميع وجوهها ، دون أن يحصلوا من ذلك على طائل ، نستريح له ونطمئن إليه ..وقد رأيت كيف كانت نظرتنا إلى الآية .. فلعلك تجد فيها ما تطمئن إليه وتستريح له . [1]

(1) - التفسير القرآني للقرآن ، ج 16 ، ص: 1528

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت