الصفحة 487 من 1282

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيُّ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَعْطِنِي ، فَإِنَّكَ لَا تُعْطِي مِنْ مَالِكِ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ ، وَأَغْلَظَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَوَثَبَ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: يَا عَدُوَّ اللَّهِ تَقُولُ هَذَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ فَقَالَ:"عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَّا أَمْسَكْتُمْ". فَدَعَاهُ فَدَخَلَ بَيْتَهُ فَأَعْطَاهُ فَقَالَ:"أَرَضِيتَ ؟"قَالَ: لَا ، ثُمَّ أَعْطَاهُ أَيْضًا ، فَقَالَ:"أَرَضِيتَ ؟"قَالَ: لَا ، ثُمَّ أَعْطَاهُ الثَّالِثَةَ ، فَقَالَ:"أَرَضِيتَ ؟"قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: فَاخْرُجْ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ قَدْ رَضِيتَ ؛ فَإِنَّ فِي قُلُوبِهِمْ عَلَيْكَ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"أَتَدْرُونَ مَا مَثَلِي وَمَثَلُ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ ؟ ، مَثَلُ رَجُلٍ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ ، مَعَهُ زَادُهُ وَرَاحِلَتُهُ فَنَفَرَتْ رَاحِلَتُهُ فَاتَّبَعَهَا النَّاسُ ، فَمَا زَادُوهَا إِلَّا نُفُورًا ، فَقَالَ: دَعُونِي فَإِنِّي أَعْلَمُ بِنَاقَتِي مِنْكُمْ ، فَعَمَدَ إِلَى قُمَامِ الْأَرْضِ - يَعْنِي الْحَشِيشَ - فَجَعَلَ يَقُولُ لَهَا: هُوِّي هُوِّي ، حَتَّى رَجَعَتْ ، فَأَنَاخَهَا فَحَمَلَ عَلَيْهَا زَادَهُ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى مَتْنِهَا ، فَلَوْ تَرَكْتُكُمْ حِينَ قَالَ مَا قَالَ فَقَتَلْتُمُوهُ ، دَخَلَ النَّارَ فَمَا زِلْتُ حَتَّى فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ وَقَالَ مَا قَالَ" [1]

فهكذا كان أخذه - صلى الله عليه وسلم - للنفوس الشاردة . بهذه البساطة ، وبهذا اليسر ، وبهذا الرفق وبهذا التوفيق . . والنماذج شتى في سيرته كلها . وهي من التيسير لليسرى كما بشره ربه ووفقه في حياته وفي دعوته وفي أموره جميعًا . .

هذه الشخصية الكريمة الحبيبة الميسرة لليسرى كانت كذلك لكي تحمل إلى البشرية هذه الدعوة . فتكون طبيعتها من طبيعتها ، وحقيقتها من حقيقتها ، وتكون كفاء للأمانة الضخمة التي حملتها بتيسير الله وتوفيقه على ضخامتها . . حيث تتحول الرسالة بهذا التيسير من عبء مثقل ، إلى عمل محبب ، ورياضة جميلة ، وفرح وانشراح . .

وفي صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وصفة وظيفته التي جاء ليؤديها ورد في القرآن الكريم: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ، وينهاهم عن المنكر ، ويحل لهم الطيبات ، ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } فقد جاء - صلى الله عليه وسلم - رحمة للبشرية . جاء ميسرًا يضع عن كواهل الناس الأثقال والأغلال التي كتبت عليهم ، حينما شددوا فشدد عليهم .

وفي صفة الرسالة التي حملها ورد: { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } { وما جعل عليكم في الدين من حرج } { لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها } { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم } فقد جاءت هذه الرسالة ميسرة في حدود الطاقة لا تكلف الناس حرجًا ولا مشقة . وسرى هذا اليسر في روحها كما سرى في تكاليفها

(1) - أَمْثَالُ الْحَدِيثِ لِأَبِي الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيِّ (226 ) ضعيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت