فهرس الكتاب
قال ابن كثير: ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم ، فلا يضعه عند غير أهله [1] ، أخرج مسلّم عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، قَالَ: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةٌ". [2] ."
وعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ ، وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ"الْمَدْخَلُ إِلَى السُّنَنِ الْكُبْرَى [3] "
وعَنْ أَبِي حَيَّانَ ، قَالَ: كَانَ عِيسَى يَقُولُ:"نَحْنُ كَالطَّبِيبِ الْعَلِيمِ ، يَضَعُ دَوَاءَهُ حَيْثُ يَنْفَعُ" [4] .
وقوله: سَيَذَّكَّرُ .. إيماء إلى أن ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - صار من الوضوح بحيث لا يحتاج إلا إلى التذكير فحسب. والخلاصة: أن التذكير مشروط بالانتفاع.
وهناك اتجاه آخر في تفسير الآية ، وهو أن التذكير مطلوب ، وإن لم ينفع ، ولا يكون التعليق بالشرط في قوله: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى مرادا ، وإنما هو لتصوير وبيان الواقع ، مثل آيات كثيرة أخرى ، منها قوله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور 24/ 33] . قال الرازي: إن الناس في أمر المعاد ثلاثة أقسام: القاطع بصحته ، والمتردد فيه ، والجاحد له ، والفريقان الأولان ينتفعان بالتذكير والتخويف.
وكثير من المعاندين إنما يجحدون باللسان فقط ، فتبين أن أكثر الخلق ينتفعون بالوعظ ، والمعرض نادر ، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير ، فلهذا وجب تعميم التذكير ، وإن كان لا ينتفع بالتذكير إلا البعض الذين علم اللَّه انتفاعهم به ، ونحن لا نعلمهم ، فبعد أن أمر اللَّه نبيه بالتذكير ، بيّن في قوله: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى الذي تنفعه الذكرى من هو [5] .
ثم أوضح اللَّه تعالى من الناحية الواقعية عدم جدوى التذكير بالنسبة للمعاندين ، فقال: وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ، الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ، ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى أي ويتجنب الذكرى ويبعد عنها الأشقى من الكفار ، لعناده وإصراره على الكفر باللَّه ، وانهماكه في معاصيه.
لذا فإنه يقاسي حر نار جهنم ويدخلها ويذوق وبالها ، فهي النار العظيمة ، ونار الدنيا هي النار الصغرى ، أو أن النار الكبرى: دركات جهنم ، كما قال تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء 4/ 145] .
(1) - تفسير ابن كثير: 4/ 500
(2) - صحيح مسلم- المكنز (14 ) مرسل
(3) - الْمَدْخَلُ إِلَى السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ (497 ) وصحيح البخارى- المكنز (127 )
(4) - الْمَدْخَلُ إِلَى السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ (735 )
(5) - التفسير الكبير للرازي: 31/ 144- 145 ، غرائب القرآن: 30/ 77